المكتبة الشاملة

دولة الإسلام في الأندلس

الفتنة، وبسط كل سلطانه، على ما أتيح له من المدن والأراضي، وأخذ يعمل على تدعيم ذلك السلطان وتوسيعه، وتأسيس الملك لبنيه.
وليس أبلغ تعبيراً في وصف حال الأندلس عقب الفتنة وقيام دول الطوائف من تلك النبذة التي يقدمها إلينا ابن الخطيب حين يقول:
وذهب أهل الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق، إلى حيث لم
يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعبّاد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب. اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار، وجبوا العمالات والأمصار، وجندوا الجنود، وقدموا القضاة، وانتحلوا الألقاب، وكتبت عنهم الكتاب الأعلام، وأنشدهم الشعراء، ودونت بأسمائهم الدواوين، وشهدت بوجوب حقهم الشهود، ووقفت بأبوابهم العلماء، وتوسلت إليهم الفضلاء، وهم ما بين محبوب، وبربري مجلوب، ومجند غير محبوب، وغفل ليس في السراة بمحسوب، ما منهم من يرضى أن يسمى ثائراً، ولا لحزب الحق مغايراً، وقصارى أحدهم يقول: "أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه"، ولو جاءه عمر بن عبد العزيز لم يقبل عليه، ولا لقي خيراً لديه. ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعماراً، وخلفوا آثاراً، وإن كانوا لم يبالوا اغترارا، من معتمد ومعتضد ومرتضى وموفق ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور وناصر ومتوكل، كما قال الشاعر:
مما يزهدني في أرض أندلس ... ألقاب معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صَوْرَة الأسد (1)
وما أشار به ابن حيان، معاصر الفتنة التي أسفرت عن قيام دولهم ومؤرخها.
إلى تلك الفتنة، وإلى هاته الدول بأسلوبه القوي اللاذع، إذ يقول في مقدمة تاريخه الكبير:
" فركبت سنن من تقدمني، فيما جمعت من أخبار ملوك هذه الفتنة البربرية، ونظمته وكشفت عنه، وأوعيت فيه ذكر دولهم المضطربة، وسياستهم المنفرة،
(1) أعمال الأعلام (طبع بيروت) ص 144. وقائل هذين البيتين هو أبو الحسن بن رشيق القيرواني. وتروي الشطرة الثانية من البيت الأول بصورة أخرى هي: " أسماء مقتدر فيها ومعتضد " (المعجب للمراكشي ص 4).
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل