المكتبة الشاملة

أسد الغابة ط العلمية

493- بلال بن رباح
ب د ع: بلال بْن رباح يكنى: أبا عبد الكريم، وقيل: أبا عَبْد اللَّهِ، وقيل: أبا عمرو، وأمه: حمامة من مولدي مكة لبني جمح، وقيل: من مولدي السراة، وهو مولى أَبِي بكر الصديق.
اشتراه بخمس أواقي، وقيل: بسبع أواقي، وقيل: بتسع أواقي، وأعتقه لله عَزَّ وَجَلَّ وكان مؤذنًا لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخازنًا.
شهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان من السابقين إِلَى الإسلام، وممن يعذب في اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فيصبر عَلَى العذاب، وكان أَبُو جهل يبطحه عَلَى وجهه في الشمس، ويضع الرحا عليه حتى تصهره الشمس، ويقول: اكفر برب مُحَمَّد، فيقول: أحد، فاجتاز به ورقة بْن نوفل، وهو يعذب، ويقول: أحد، أحد، فقال: يا بلال، أحد أحد، والله لئن مت عَلَى هذا لأتخذن قبرك حنانًا.
قيل: كان مولى لبني جمح، وكان أمية بْن خلف يعذبه، ويتابع عليه العذاب، فقدر اللَّه سبحانه وتعالى أن بلالا قتله ببدر.
قال سَعِيد بْن المسيب، وذكر بلالا: كان شحيحًا عَلَى دينه، وكان يعذب، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم، قال: اللَّه اللَّه، قال: فلقي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر رضي اللَّه عنه، فقال: لو كان عندنا شيء لاشترينا بلالا، قال: فلقي أَبُو بكر العباس بْن عبد المطلب، فقال: اشتر لي بلالا، فانطلق العباس، فقال لسيدته: هل لك أن تبيعيني عبدك هذا قبل أن يفوتك خيره؟ قالت: وما تصنع به، إنه خبيث، وَإِنه، وَإِنه..
ثم لقيها، فقال لها مثل مقالته، فاشتراه منها، وبعث به إِلَى أَبِي بكر رضي اللَّه عنه، وقيل: إن أبا بكر اشتراه، وهو مدفون بالحجارة يعذب تحتها.
وآخى رَسُول اللَّهِ بينه وبين أَبِي عبيدة بْن الجراح، وكان يؤذن لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته سفرًا وحضرًا، وهو أول من أذن له في الإسلام.
(154) أخبرنا يَعِيشُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْفُرَاتِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدٌ، عن مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حدثنا زُهَيْرٌ، حدثنا الأَعْمَشُ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن، قَالَ: آخِرُ الأَذَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ تَكُونَ عِنْدِي، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِنَفْسِكَ فَاحْبِسْنِي، وَإِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَذَرْنِي أَذْهَبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: اذْهَبْ، فَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ بِهِ حَتَّى مَاتَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَذَّنَ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(155) أخبرنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ، إِجَازَةً، أخبرنا عَمِّي، أخبرنا أَبُو طَالِبِ بْنُ يُوسُفَ، أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمَّارُ بْنُ حَفْصِ بْنِ سَعْدٍ وَعُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عن آبَائِهِمْ، عن أَجْدَادِهِمْ، أَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُمْ، قَالُوا: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَمُوتُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا بِلالُ، وَحُرْمَتِي وَحَقِّي، فَقَدْ كَبُرْتُ، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، فَأَقَامَ بِلالٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ بِلالٌ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لأَبِي بَكْرٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، كَمَا رَدَّ أَبُو بَكْرٍ، فَأَبَى.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ عُمَرُ، لِيُقِيمَ عِنْدَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُؤَذِّنَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَذَّنْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ أَذَّنْتُ لأَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، لأَنَّهُ كَانَ وَلِيَّ نِعْمَتِي، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا بِلالُ، لَيْسَ عَمَلٌ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، وَإِنَّهُ أَذَّنَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا دَخَلَ الشَّامَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَرَ بَاكِيًّا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
روى عنه: أَبُو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد اللَّه بْن عمر، وكعب بْن عجرة، وأسامة بْن زيد، وجابر، وَأَبُو سَعِيد الخدري، والبراء بْن عازب، وروى عنه جماعة من كبار التابعين بالمدينة والشام، وروى أَبُو الدرداء، أن عمر بْن الخطاب لما دخل من فتح بيت المقدس إِلَى الجابية سأله بلال أن يقره بالشام، ففعل ذلك، قال: وأخي أَبُو رويحة الذي آخى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيني وبينه؟ قال: وأخوك، فنزلا داريًا في خولان، فقال لهم: قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين، فهدانا اللَّه، وكنا مملوكين فأعتقنا اللَّه، وكنا فقيرين فأغنانا اللَّه، فإن تزوجونا فالحمد لله، وَإِن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله، فزوجوهما.
ثم إن بلالا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رَسُول اللَّهِ، خرج النساء من خدورهن، فما رئي يَوْم أكثر باكيًا، وباكية من ذلك اليوم.
(156) أخبرنا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالُوا بِإِسْنَادِهِ عن أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، قَالَ: حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: يَا بِلالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ، أَمَامِي
(157) وَأخبرنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ، وَغَيْرُهُ، قَالُوا: أخبرنا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْكَاتِبُ، أخبرنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَيْلانَ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، أخبرنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي: بِلالًا.
وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة: رَسُول اللَّهِ، وَأَبُو بكر، وخباب، وصهيب، وعمار، وبلال، وسمية أم عمار، فأما بلال فهانت عليه نفسه في اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وهان عَلَى قومه، فأخذوه فكتفوه، ثم جعلوا في عنقه حبلًا من ليف، فدفعوه إِلَى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشبي مكة، فإذا ملوا تركوه، وأما الباقون فترد أخبارهم في أسمائهم.
وروى شبابة، عن أيوب بْن سيار، عن مُحَمَّدِ بْنِ المنكدر، عن جابر بْن عَبْد اللَّهِ، عن أَبِي بكر الصديق، عن بلال، قال: أذنت في غداة باردة، فخرج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم ير في المسجد أحدًا، فقال: أين الناس؟، فقلت: حبسهم القر، فقال: اللهم أذهب عنهم البرد، قال: فلقد رأيتهم يتروحون في الصلاة.
ورواه الحماني، وغيره، عن أيوب، ولم يذكروا أبا بكر.
قال مُحَمَّد بْن سعد كاتب الواقدي: توفي بلال بدمشق، ودفن بباب الصغير سنة عشرين، وهو ابن بضع وستين سنة، وقيل: مات سنة سبع، أو ثماني عشرة، وقال علي بْن عبد الرحمن: مات بلال بحلب، ودفن عَلَى باب الأربعين، وكان آدم شديد الأدمة، نحيفًا طوالًا، أجنى خفيف العارضين.
قال أَبُو عمر: وله أخ اسمه خَالِد، وأخت اسمها: غفيرة، وهي مولاة عمر بْن عَبْد اللَّهِ مولى غفرة المحدث، ولم يعقب بلال.
أخرجه الثلاثة.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل