المكتبة الشاملة

تاريخ ابن خلدون

إلى المغرب وظفر بأميرهم الشاكر للَّه محمد بن الفتح، فوثب المنتصر من أعقابهم بعده على سجلماسة وتملّكها. ثم وثب به أخوه أبو محمد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فقتله وقام بأمر سجلماسة، وأعاد بها ملك بني مدرار وتلقّب المعتز باللَّه فزحف إليه خزرون ابن فلفول سنة سبع وستين وثلاثمائة في جموع مغراوة وبرز إليه المعتز فهزمه خزرون واستولى على مدينة سجلماسة ومحا دولة آل مدرار والخوارج منها آخر الدهر، وأقام الدعوة بها للمؤيد هشام، فكانت أول دولة أقيمت للمروانيين بذلك الصقع، ووجد للمعتز مالا وسلاحا فاحتقنها وكتب بالفتح إلى هشام وأنفذ رأس المعتز فنصب بباب سدّته ونسب الأثر في ذلك الفتح لصحابة محمد بن أبي عامر ويمن طائره، وعقد لخزرون على سجلماسة وأعمالها، وجاءه عهد الخليفة بذلك فضبطها وقام بأمرها إلى أن هلك، فولي أمر سجلماسة من بعده ابنه وانودين.
ثم كان زحف زيري بن مناد إلى المغرب الأقصى سنة تسع وستين وثلاثمائة وفرّت زناتة أمامه إلى سبتة. وملك أعمال المغرب وولّى عليها من قبله وحاصر سبتة. ثم أفرج عنها وشغل بجهاد برغواطة، وبلغه أن وانودين بن خزرون أغار على نواحي سجلماسة، وأنه دخلها عنوة وأخذ عامله وما كان معه من الأموال والذخيرة، فدخل إليها سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وفصل عنها فهلك في طريقه، ورجع وانودين بن خزون إلى سجلماسة. وفي أثناء ذلك كان استيلاء زيري بن عطية بن عبد الله بن خزر على المغرب وملك فاس بعهد هشام. ثم انتقض على المنصور آخرا وأجاز ابنه عبد الملك في العساكر إلى العدوة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة فغلب عليها بني خزر ونزل فاس، وبثّ العمّال في سائر نواحي المغرب لسدّ الثغور وجباية الخراج، وعقد فيما عقد على سجلماسة لحميد بن يصل المكناسي [1] النازع إليهم من أولياء الشيعة فعقد له على سجلماسة حين فرّ عنها بنو خزرون فملكها وأقام فيها الدعوة. ولما قفل عبد الملك إلى العدوة وأعاد واضحا إلى عمله بفاس، استأمن إليه كثير من بني خزر كان منهم وانودين بن خزرون صاحب سجلماسة وابن عمّه فلفول بن سعيد فأمّنهم، ثم رجع وانودين إلى علمه بسجلماسة بعد أن تضامن أمرها وانودين وفلفول بن سعيد على مال مفروض، وعدة من الخيل والدرق [2] يحملان إليه ذلك كلّ سنة. وأعطيا في ذلك
[1] حميد بن يصليتن الكتامي وقد مرّ معنا من قبل.
[2] الدرق: ج درقة وهي الترس من الجلد ليس فيه خشب ولا عقب.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل