المكتبة الشاملة

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا = تاريخ قضاة الأندلس

ذكر القَاضِي أبي الْقَاسِم الشريف الغرناطي
وَمن أَعْلَام الْقُضَاة بالأندلس، وصدور النجَاة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْأُسْتَاذ المتفنن الشريف الْمُعظم أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله الحسني النِّسْبَة، السبتىُّ النشأة. وَكَانَ رَحمَه الله {نَسِيج وَحده براعة وجلالة، وفريد عصره بلاغة وجزالة؛ إِلَى الشيم السّنيَّة الَّتِي الْتزم إهداءها، وَالسير الْحَسَنَة الَّتِي لَا يُنَازع فِي شرف مُنْتَهَاهَا. ارتحل عَن بَلَده سبتة، وَقد تملأ من الْعُلُوم، وبرع فِي طريقتي المنثور والمنظوم؛ فطلع على الأندلس طُلُوع الصَّباح عقب السرى، وخلص إِلَيْهَا خلوص الخيال مَعَ سنة الْكرَى؛ فانتظم فِي الْحِين فِي سلك كتبتها، وَأمسى وَهُوَ صدر طلبتها؛ لما كَانَ قد حصل لَهُ من الْأَخْذ بأطراف الطّلب، والاستيلاء على غَايَة الْأَدَب؛ وَرَئِيس الْكتاب يَوْمئِذٍ الشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو الْحسن بن الجياب، الشهير التَّشَيُّع لأهل الْبَيْت الْكَرِيم، الموسوم بالشم الرضية، وَالْقلب السَّلِيم؛ وَكَانَ رَحمَه الله} مَعَ أدوات كَمَاله، وَمَا خص بِهِ فِي وقته من سني أَحْوَاله، وَصَالح أَعماله، مِمَّن شغف بالمذاكرة فِي الْفُنُون الأدبية، وغوامض أسرار الْعَرَبيَّة، والرسائل السُّلْطَانِيَّة، والمسائل البيانية. فألفى من ذَلِك كُله لَدَى الشريف، الخليق بصنوف التشريف، مَا شاءه من معنى رقاق، وَلَفظ رقراق، وطبع بالمعارف دفاق. فَجَذَبَهُ الشَّيْخ إِلَيْهِ، وتلقاه براحيته، وَذهب إِلَى مقارضته بالقريض، ومساجلته فِي الطَّوِيل والعريض. فقلما كَانَ بهَا رسم الْكِتَابَة إِذْ ذَاك يفنن عَن أدب يعْتَبر، ونتف طرف تبعثر، وقسطاس يُوزن بِهِ مَا يقل من الْمقَال وَيكثر؛ ثمَّ صرف إِلَى الِاسْتِعْمَال فِي الخطط القاضوية صرف الِاسْتِظْهَار، وبمعارفه الباهرة الْأَنْوَار، وَأَحْكَامه القاضية بتأمين الأوطان وتأميل الأوطار؛ فَتقدم بذلك بجهات شَتَّى، مِنْهَا رية، وحلبة الطّلبَة بهَا سوابق غايات، وخوافق رايات. وَكَانَت ولَايَته عَلَيْهِم حلَّة نشرها الْفضل من صوانها. ودرة أَكْثَرهَا الْعدْل لأوانها. أنزل أماثلهم من رعايته منَازِل الْإِكْرَام، واختص مِنْهُم بمصاحبة الزَّاهِد أبي عبد الله بن عَيَّاش، أحد الْعلمَاء الْأَعْلَام؛ فتفقه مَعَه فِي أَحْكَامه، ونوازل أَيَّامه، وَأخذ نَفسه بالاشتداد فِي نصْرَة الْمَظْلُوم، وَالضَّرْب على يَد الظلوم؛ وَله فِي
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل