المكتبة الشاملة

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

نقلوا الكتابة إلى "دومة الجندل" والحجاز ومواضع أخرى من جزيرة العرب.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن كتبة الوحي, إنما كتبوا بخط أُخذ من "الجزم", أي: من خط أهل الحيرة. وذلك بحكم اتصال أهل مكة بالحيرة, اتصالًا تجاريًّا, فتعلموه منهم1. فهم يوافقون بذلك بعض الروايات العربية التي ترجع علم أهل مكة بالكتابة إلى الحيرة.
وقد بقي أهل الحيرة يكتبون للولاة, ويقرءون عليهم مايرد إليهم من رسائل أهل العراق وبلاد الشأم, وذلك لحسن خطهم وإتقانهم الكتابة. فكان لأبي موسى الأشعري كاتب, ولما سأله "عمر" عن سبب اتخاذه كاتبًا من النصارى أجابه: "له دينه ولي كتابته". ولما أراد "عمر" اختيار كاتب حاذق حافظ ذكر له غلام نصراني من أهل الحيرة2.
ومما يلفت النظر ويسترعي الانتباه, هو أن المنطقة التي يذكر أهل الأخبار أنها كانت الأرض التي نبت بها الخط العربي, وهي الأنبار والحيرة, لم تعط الباحثين حتى الآن أي نص مكتوب. كما أن مكة المدينة الآخذة للخط لم تعطنا أيضًا أي نص جاهلي مكتوب. مع أن نصوص هذه الأرضين تهمنا بصورة خاصة, لما لها من علاقة بالخط العربي الذي نتكلم عنه, وباللغة التي نزل بها القرآن الكريم ونظم بها الشعر الجاهلي, وبالأدب الجاهلي. فلم لم تصل نصوص إلينا من العراق ولا من مكة مع أن أهل مكة كانوا يكتبون عند ظهور الإسلام, وكذلك أهل الحيرة كانوا يكتبون, ولهم دواوين في أخبارهم, رجع إليها ابن الكلبي, كما نص على ذلك. هل سبب عدم وصولها, أن الذين كتبوا بهذا القلم إنما كتبوا على مواد سريعة التلف وبالحبر, ولذلك تلفت, ولم تتمكن من العيش طويلًا, كما تلفت مخطوطات أهم منها شأنًا مثل: النسخ الأولى للقرآن الكريم, والنسخ الأصلية من رسائل وكتب الرسول إلى الملوك والأمراء وإلى أصحابه. وكذلك خطوط الخلفاء الراشدين وسجلات دواوينهم وما شاكل ذلك من وثائق. قد يكون ما ذكرته هو السبب في عدم وصول نص من هذه الأرضين إلينا, وقد تكون هنالك أسباب أخرى. على كل, علينا ألاّ نيأس من المستقبل, فلعل
1 "Die Araber, II, S. 357.".
2 عيون الأخبار "1/ 43".
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل