المكتبة الشاملة

شرح مقامات الحريري

المقامة الثالثة والأربعون وهي البكريّة
حكى الحارث بن همام قال: هفا بي البين المطوّح، والسّير المبرّح، إلى أرض يضلّ بها الخرّيت، وتفرق فيها المصاليت، فوجدت ما يجد الحائر الوحيد، ورأيت ما كنت منه أحيد؛ إلا أنّي، شجّعت قلبي المزءود، ونسأت نضوي المجهود، وسرت سير الضّارب بقدحين، المستسلم للحين؛ ولم أزل بين وخد وذميل، وإجازة ميل بعد ميل؛ إلى أن كادت الشّمس تجب، والضّياء يحتجب فارتعت لإظلال الظّلام، واقتحام جيش حام، ولم أدر أأكفت الذّيل وأرتبط، أم أغتمد اللّيل وأختبط! .
***
هفا، أي طار وخفّ. المطوّح: المبعد المشفي على الهلاك، وقد طوّحت الشيء، إذا رميت به وألقيته إلقاء منكرا. المبرّح: الشاقّ المتعب، وقد برّح الأمر، إذا عظم واشتدّ. يضلّ: يتحيّر ويتلف. الخرّيت: الدليل، وقيل: هو من خرت الإبرة كأنه من حسن دلالته يهتدي على مثال خرت الإبرة وهو ثقبها. تفرق: تفزع المصاليت: الشجعان الماضون في الحروب، واحدهم مصلات، قال الفرّاء: المنصلت: المسرع من كلّ شيء، وجمعه مصالت ومصاليت. أحيد: أخاف وأميل عنه. المزءود: المفزّع، وزئد الرجل: فزع نسأت: ضربت بالمنسأة، وهي العصا. نضوي: بعيري. المجهود: المتعب قدحين: سهمين.

[قداح الميسر]
وكان الرجل في الجاهلية يمسك ثلاثة أقداح، على أحدها مكتوب: «أمرني ربي»، وعلى الثاني «نهاني ربي»، والثالث غفل لا شيء عليه وهو المنيح، فإذا أراد سفرا أو أمرا ضرب بها، فإن خرج له «أمرني ربي» مضى آمنا، وإن خرج له «نهاني ربي» ترك ذلك الأمر وإن خرج له غفل أعاد الضّرب.
وقيل: كان يمسك قدحين مكتوب على أحدهما «افعل» وعلى الثاني «لا تفعل»، فإن خرج «أفعل» مضى، وإن خرج «لا تفعل» ترك.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل