المكتبة الشاملة

شرح مقامات الحريري

المقامة التاسعة عشرة وهي النّصيبيّة
روى الحارث بن همّام، قال: أمحل العراق ذات العويم، لإخلاف أنواء الغيم، وتحدّث الرّكبان بريف نصيبين، وبلهنية أهلها المخصبين.
***
أمحل: أجدب، أي لم ينزل فيه مطر. إخلاف الأنواء، يريد النجوم التي من عادتها أن تطلع بالمطر، وأخلفت: لم تجئ بمطر. الركبان: أهل الأسفار. ريف: خصب.
***

[مدينة نصيبين]
نصيبين مدينة ديار ربيعة العظمى، وهي مطلّة على جبل الجوديّ الذي استوت سفينة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام عليه، وهو جبل عال مستطيل.
أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «زويت لي الأرض، فرأيت مدينة أعجبتني، فقلت: يا جبريل، أيّ مدينة هذه؟ قال: نصيبين، فقلت: اللهمّ عجّل فتحها».
قال اليعقوبيّ: هي مدينة عظيمة كثير الأنهار والجنّات والبساتين، ولها نهر عظيم يقال له الهرماس، عليه قناطر حجارة قديمة روميّة، وأهلها قوم من ربيعة من بني تغلب، افتتحها غنم بن عياض في خلافة عمر رضي الله عنهما سنة ثمان عشرة.
قال شيخنا ابن جبير: مدينة نصيبين شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصّغر، أمامها وخلفها بسيط أخضر مدّ البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطرّد في نواحيه، وتحفّ بها عن يمين وشمال بساتين ملتفّة الأشجار، يانعة الثمار. وينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السّوار، والحدائق، تنتظم حافتيه، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس حيث يقول: [البسيط]
طابت نصيبين لي يوما فطبت لها ... ليت حظّي من الدنيا نصيبين
فخارجها رياضيّ الشمائل، أندلسي الخمائل، برق نضارة وغضارة، ويأتلق عليه رونق الحضارة. وداخلها شعث البادية بادية عليه، فلا مطمح للبصر إليه، لا تجد العين
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل