المكتبة الشاملة

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة يا نفس إلى كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور، وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفا دعتني وقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفني في جبتي هذه جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفناها في تلك الجبة وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة استبرق وخمار من سندس أخضر لم أر قط شيئاً أحسن منه، فقلت: يا رابعة ما فعلت الجبة التي كفناك فيها وخمار الصوف؟ قالت: انه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي، وطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين يكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: لهذا كنت تحملين أيام الدنيا؟ فقالت وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله عز وجل لأوليائه فقلت لها: وما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات. والله سبقتنا إلى الدرجات العلى. فقلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها؟ قالت: انها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت على الدنيا أو أمست، فقلت لها ما فعل أبو مالك أعني ضيغما؟ قالت: يزور الله عز وجل متى شاء. فقلت فما فعل بشربن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يؤمل. قلت فمريني بأمر أتقرب به إلى الله عز وجل قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن يعطي بذلك في قبرك.

سنة ست وثلاثين ومائة
فيها توفي حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الحافظ عن ثلاث وتسعين سنة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه أبو عثمان عالم المدينة، ويقال له ربيعة الرأي، سمع أنساً وابن المسيب، وكانت حلقة الفتوى أخذ عنه مالك. قال عبيد الله بن عمر العمري: هو صاحب معضلاتنا وعالمنا وأفضلنا، وذكروا أنه أدرك جماعة من الصحابة. وقال بكر بن عبد الله الصنعاني أتيت مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا يوماً: ما تصنعون بربيعة؟ وهو، او قال: ها هو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة وقلنا له: انت ربيعة؟ قال: نعم قلنا: انت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم قلنا، كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم. وكان يوماً يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي، فأطال الوقوف والإنصات إلى
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل