للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لكن كيف نعرب المضارع المرفوع في جملة الجواب كالحالتين السالفتين؟

أ- الخبر: أن نواجه الحقيقة والأمر الواقع؛ فنقول عند وقوعه مرفوعا في الشعر وليس له معمول متقدم على الأداة: إنه جواب الشرط، مرفوع للضرورة أو على لغة ضعيفة. وعند وقوعه في النثر: إنه مرفوع، محاكاة لتلك اللغة الضعيفة، ولا داعي للتأويل المرهق، والتقدير، وافتراض الحذف، أو التقديم، أو التأخير ... ، رغبة في الوصول إلى وسيلة تخرجه من نطاق جواب الشرط المرفوع بضعف، إلى نطاق شيء آخر يبيح بغير ضعف؛ وبغير أن يكون جواب شرط. وفي هذا ما فيه من التكلف الذي لا يطابق الواقع. فوق ما يوجه إليه من اعتراضات أخرى١.


١ من أمثلة التكلف والإرهاق ما يقوله سيبويه وبعض أئمة النحاة:
أ- يقول سيبويه: إن المضارع المرفوع بعد فعل الشرط الماضي -مثل: إن رأتني تميل عني ... ، ليس هو جواب الشرط، وإنما هو دليل على الجواب، وتسميته بالجواب: تساهل، أو مجاز لدلالته على الجواب. والجواب الحقيقي محذوف، وهذا المضارع المرفوع قد تأخر مع فاعله عن موضعهما الأصلي الذي يسبق أداة الشرط. والأصل عنده: تميل عني إن رأتني تمل. فالجواب محذوف دل عليه جهلة: "تميل عني". وهذه الجملة المتقدمة على أداة الشرط قد تركت موضعها وجاءت متأخرة عن الجملة الشرطية؛ ففي الكلام أمران؛ حذف الجواب، وتأخير ما يدل عليه. وعلى هذا لا يجوز جزم ما عطف على هذا المضارع، ويجوز أن يفسر ناصبا للاسم الذي قد يكون قبل الأداة؛ مثل: محمدا إن جاء أرمه وأرعاه.
وقال الكوفيون والمبرد: إن المضارع وما يتصل به هو الجواب، ولكن على تقدير "الفاء" التي تدخل على الجواب أحيانا؛ فتقوم في إفادة الربط بين جملتي الشرط والجواب مقام جزم الفعل، ولا يجزم معها الفعل؛ استغناء بها في الربط عن الجزم -كما سبق في ص٤٥٨- ويعرب هذا المضارع المرفوع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هي جواب الشرط في محل جزم. ويجب عندهم رفع المضارع في هذه الصورة؛ لأن المضارع الواقع في حيز "فاء" الربط على الصورة السالفة واجب الرفع بالرغم من أن الفاء هنا مقدرة سواء أكان فعل الشرط ماضيا، نحو قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} أم مضارعا كقوله تعالى: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} . ففي الكلام عندهم حذف الفاء وتقدير وجودها، وحذف المبتدأ، وتكوين جملة منه ومن خبره تعرب جواب الشرط، وجملة الجواب في محل جزم، فيجوز العطف عليها بالجزم، ولا يصح أن يكون لها معمول مقدم ولا أن تفسر عاملا. وهذا الرأي -برغم ما فيه- أقرب من رأي سيبويه إلى القبول.
وهناك رأي ثالث قد يكون أقربها إلى السداد -برغم ما فيه أيضا- وملخصه: أن المضارع مرفوع لا لسبب مما ذكر، ولكن لأن أداة الشرط لم يظهر لها تأثير في لفظه؛ لأنها عجزت عن التأثير في لفظ فعل الشرط الماضي فضعفت عن الوصول إلى المضارع لتؤثر في لفظه أيضا!! وهذا التعليل واضح الفساد. فما السبب في عجزها هنا وعدم عجزها حين تجزم المضارع مع فعل الشرط الماضي، مع أن فعل الشرط ماض =

<<  <  ج: ص:  >  >>