للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

-مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر صفر سنة تسع هجرية (سنة ٦٣٢ م) وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما (وقيل سبعة أيام) وكان في ابتداء مرضه في بيت زوجته ميمونة ولما اشتد مرضه استأذن زوجاته أن يمرض في بيت عائشة فخرج يهادي بين العباس ابن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب حتى دخل بيت عائشة وأمر أن يهرق عليه الماء فصبوه عليه لما كان يشعر به من الحمى وقال ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر وهذا أوان انقطاع ابهري من ذلك السم. ولما تعذر عليه الخروج للصلاة قال مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء. قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فعاودته مثل مقالتها فقال انكن صواحبات يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس.

وفي تقديم أبي بكر للصلاة إشارة إلى أنه الخليفة بعده فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. غير أن النبي خرج معصوب الرأس وجلس في أسفل مرقاة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: (يا أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم إلا أني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصي المهاجرين فيما بينهم فإن الله تعالى يقول: {وَالْعَصْرِ إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .

"وإن الأمور تجري بإذن الله ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم وأوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم. ألم يشاطروكم في الثمار. ألم يوسعوا لكم في الديار. ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة. الا فمن ولى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم. ألا ولا تستأثروا عليهم. ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي. ألا فإن موعدكم الحوض. ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه".

وهذه آخر خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يصعد المنبر بعد ذلك اليوم. وقد أوصى المسلمين بالمحبة والإتحاد وصلة الرحم، المهاجرين منهم والأنصار وهو في أشد حالات المرض ونهاهم عن التقاطع.

أغمى على رسول الله وراسه في حجر عائشة رضي الله عنها وكانت تدعو له بالشفاء وكان يقول إن للموت سكرات. وقالت فاطمة لما تغشاه الكرب: واكرب أبتاه، فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم.

وفي البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سجف حجرة عائشة رضي الله عنها فنظر غليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص ابو بكر رضي الله عنه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج للصلاة. قال أنس وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم فاشار إليهم بيده صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. زاد في رواية فتوفي من يومه. واجتمع حوله أصحابه يبكون. قالت عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وبين سحري ونحري (٢) والمراد أنه توفي وهو في حجرها وكان أبو بكر رضي الله عنه غائبا فسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سيفه وتوعد من يقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة رضي الله عنها فكشف عن وجه رسول الله فجثا يقبله ويبكي ثم خرج فقال أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر رضي الله عنه جلس عمر فحمد الله ابو بكر وأثنى عليه ثم قال: (ألا من كان يعبد محمداً فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال تعالى {إِنَكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُمْ مَيِّتُونَ} وقال {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قِدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} الآية فنشج (٣) الناس يبكون رواه البخاري) فكان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما سمع قول أبي بكر قال فوالله لكأني لم أتل هذه الآية قط.

ووقوف أبي بكر هذا الموقف يدل على رباطة جأشه عند الكروب وضبط النفس وعلى حكمته وشجاعته فإن رسول الله لما توفي طاشت العقول فمنهم من خبل ومنهم من أقعد ولم يطق القيام ومنهم من أخرس فلم يطقا لكلام ومنهم من أضنى. وكان عمر رضي الله عنه ممن خبل وكان عثمان رضي الله عنه ممن أخرس فكان لا يستطيع أن يتكلم وكان لعيّ رضي الله عنه ممن أقعد فلم يستطع أن يتحرك وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمداً، وكان أثبتهم أبو بكر (٤) قال القرطبي وهذا أول دليل على كمال شجاعة الصديق رضي الله عنه لأن الشجاعة هي ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت رسول الله فظهرت شجاعة الصديق رضي الله عنه.

وروي أن بلالا رضي الله عنه كان يؤذن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وقبل دفنه قال: أشهد أن محمداً رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب.

وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين بلا خلاف واختلف في اي الإثنين كانت وفاته فقال فقهاء الحجاز إن رسول الله قبض يوم الإثنين لليلتيت مضيتا من شهر ربيع الأول وقال الواقدي توفي يوم الإثنين لثنتي عشرو ليلة خلت من شهر ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار حين زاغت الشمس وذلك يوم الثلاثاء وكان عمره ثلاثا وستين سنة ورثته عمته صفية. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وأبو بكر. وحسان ابن ثابت وغيرهم.

وغسلوه صلى الله عليه وسلم وعليه قميصه يضعون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص (٥) غسله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكان العباس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشريف وكفنوه في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ولما فرغوا من جهازه صلى الله عليه وسلم وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس عليه صلى الله عليه وسلم أرسالا أي جماعات متتابعين يصلون عليه وحفر له صلى الله عليه وسلم في المكان الذي توفي فيه بعد أن رفعوا فراشه الذي توفي عليه. قال أبو بكر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما مات نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه) . قال عليّ وأناأيضا سمعته. وكان المباشر للحفر أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه، حفر لحدا في موضع فراشه حيث قبض ونزل في قبره عمه العباس وعلي والفضل وقثم بن العباس رضي الله عنهم. ورش قبره صلى الله عليه وسلم بلال بقربة بدأ من قبل رأسه وجعل عليه من حصباء العرصة حمرا وبيضا ورفع عن الأرض قدر شبر.

ولا يفوتنا أن نذكر أن المنافقين أكثروا من التحدث بتأمير أسامة حتى بلغ رسول الله فخرج وهو مريض عاصباً رأسه من الصداع فرد عليهم. ومما قاله في هذا الشأن "قد بلغني أن أقواماً يقولون في أمارة أسامة ولعمري لئن قالوا في أمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقا للإمارة وإنه لخليق لها فانفذوا بعث أسامة" وهذا دليل على أن رسول الله كان مهتما لآخر لحظة من حياته ببعث أسامة وبشئون المسلمين وتوحيد كلمتهم.

وقد توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله وما ترك دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيراً. عن عائشة رضي الله عنها "ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ فأكلته ففني فيا ليتني لم آكله. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو ولا أهل بيته خبز الشعير.


(١) تبسم يضحك فرحا باجتماعهم على الصلاة واتفاق كلمتهم وإقامة شريعته.
(٢) السحر موضع القلادة من الصدر.
(٣) بقال نشج الباكي إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.
(٤) راجع المواهب.
(٥) راجع البيهقي في دلائل النبوة.

<<  <  ج: ص:  >  >>