للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أقومه في المدينة " قال: فلما قدمنا المدينة وجاء الجمعة هجرت لما حدثني عبد الرحمن بن عوف، فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير جالساً إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه - تمس ركبتي ركبته، قال: فلما زالت الشمس خرج علينا عمر رحمه الله، قال: فقلت: وهو مقبل: أما والله ليقولن أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله، قال فغضب سعيد بن زيد، وقال: وأي مقالة يقول لم يقل قبله؟ قال: فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ...... " (١).والذي يعنينا ههنا أن عمر - رضي الله عنه - راجع هدفه الذي أراده، وأخذ بمشورة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وغير خطة طريق الهدف، فاختار الزمان والمكان المناسبين للهدف، ووفقه الله تعالى في تحقيقه، فلولا هذه المراجعة –ربما- وقعت فتنة تطير لها العقول، وتشرأب لها أعناق المنافقين.

[المطلب الثالث: مراجعة وتدقيق مكان الهدف]

لابد لصاحب الأهداف من مراجعة وتقييم لصحة الخطوات التي يسير عليها، هل الطريق صحيح؟ كم قطعت منه؟ وكم بقي؟ وهل هناك سبل أخرى ربما غابت عني أو طرأت من جديد؟ وهل نحتاج إلى دراسة جديدة واعادة تقييم، فهذه أسئلة مهمة يجب أن تلاحظ.

ونوضح ذلك بمثال من السنة النبوية: وذلك في قصة مشورة الحباب بن المنذر في منزل بدر:" أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال: يا رسول الله، فإنَّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالنّاس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أشرت بالرأي". فنهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من النّاس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية " (٢).

فبمراجعة أداء الهدف الذي أراده النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في اختيار موضع القتال، اختار بعد المشورة موضعاً غير الموضع الأول فتقدم وجعل الآبار خلفه لا يصل إليها المشركون ثم ردمها، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - صرح بطلب المشورة في


(١) أخرجه البخاري (٦٤٤٢)،ومسلم –مختصراً- ٥/ ١١٦ (٤٤٣٦)،وغيرهما.
(٢) أخرجه ابن اسحاق، كما في المغازي الواقدي١/ ٥٣،وابن هشام ١/ ٦٢٠،ودلائل النبوة ٣/ ١١٠.

<<  <   >  >>