للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

الفصل الثامن

القومية المصرية

كان أتباع محمد عبده وسطًا بين طرفين متناقضين: التقاليد من طرف، والعلمانية من الطرف الآخر. فتبنوا مؤسسات العصر الحديث وأفكاره وعملوا على تشجيعها، لكنهم اشترطوا ربطها بمبادئ الإسلام التي رأوا فيها الأساس الوحيد الصالح للتفكير الاجتماعي أو، بتعبير الشيخ بخيت. «القانون السياسي المقبول من الجميع». ثم أخذوا، مع الأيام، يتوجهون باهتمامهم نحو الطرف الثاني. اعتقادًا منهم أن الخطر الحقيقي قد كمن فيه لا في الطرف الأول. ذلك أن النزعة التقليدية المتحجرة لا بد من أن تظهر يومًا عجزها عن تفهم العالم الحديث فيستحيل عليها توجيهه، بل ربما اضمحلت آخر الأمر. أما الأفكار الحديثة فبوسعها، نظرًا لزخمها الذي لا يقاوم، إما أن تهدم المجتمع الإسلامي، وإما أن تعيد بناءه من جديد. وهي تهدمه إذا ما بقيت طليقة، أو تعيد بناؤه من جديد إذا أخضعت لغايات الإسلام الأزلية. وكان لا بد من أن يرافق محاولة إخضاعها لهذه الغايات تنازلات متوالية.

هذا ما نراه في الموقف الذي وقفه «العصريون» من فكرة القومية، وهي الشكل الذي تجلت فيه، على أقوى وجه، فكرة المجتمع العلماني بالمفهوم الحديث. وسنتحدث، في فصل لاحق، عن كيفية انتقال تلاميذ محمد عبده السوريين، من حيث يدرون أو لا يدرون، من الفكرة السياسية الإسلامية إلى الفكرة العربية، وهو أمر يسهل إدراكه نظرًا لمركز العرب الخاص في الإسلام،

<<  <   >  >>