للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

الفصل الثاني عشر

طه حسين

اتجه القوميون في مصر وسوريا وغيرهما من بلدان آسيا، خلال السنوات الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، اتجاهين: فقد توخوا، من جهة، خلع السيطرة السياسية الأوروبية عن بلادهم، مع استمرار رقابة إنكلترا أو فرنسا على السياسة الخارجية واحتفاظهما بقواعد عسكرية؛ لكنهم أقروا، من جهة أخرى، عن طيب خاطر إجمالًا، بتفوق المدنية الأوروبية. فقد كان من النادر، في تلك الحقبة، سماع صوت كصوت غاندي، كما أنه لم يصغ إليه كثيرًا خارج الهند. بل كانوا يعترفون، بوجه عام، بالرغم من بريق الرومانسية القومية المتخلفة لديهم وشعورهم بالإباء دفاعًا عن النفس، أن الحضارة الأوروبية هي أرقى حضارات العالم. وكانوا، في دفاعهم عن قضية الاستقلال، يعتمدون المفاهيم الأوروبية. فيقولون بأن مصر لا تستطيع أن تصبح أمة «غربية» بكل معنى الكلمة، فتنشئ لها نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا ليبراليًا، وتتبنى عن طيب خاطر قيم الحضارة الغربية، إلا إذا كانت مستقلة. وكانوا يعتبرون معونة أوروبا ضرورية لتحقيق الاستقلال ولاستخدامه استخدامًا صحيحًا. فكان مصطفى كامل يأمل أن تقتنع فرنسا بأن من مصلحتها الحد من تفاقم النفوذ البريطاني، كما كان زغلول يناشد وجدان إنكلترا الليبرالي. وكانوا يقبلون أيضًا بحكم أوروبا الخلقي، معتقدين أن على الدول الجديدة أن تبرهن عن جدارتها، فتثبت لأوروبا أنها قادرة على حكم ذاتها بذاتها.

<<  <   >  >>