للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فعلى هذا قد يحصل للمفضول مزيَّةٌ ليستْ للأفضل، ولا يلزم بذلك أن يكون أفضلَ، وهذا؛ يقال: أبَيٌّ قوله أقرأ من أبي بكر، ومعاذٌ أعْلمُ منه بالحلال والحرام، وعليٌّ أقضىَ منه. ولنا مع هذا أنْ نقول: أبو بكر أفضلُ من كل واحد واحد من هؤلاء.

ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - لِعُمَر: ما سلكتَ فجًّا إلَّا سلك الشيطان فجاً غيرَ فجِّك". (٣٠٣)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن عفريتا جآني ليفسد عليَّ صلاتي، ولولا دعوة أخي سليمانَ لأصبح مُوثَقاً يلعب به ولْدانُ أهلِ المدينة". (٣٠٤) وجآءه عفريت أيضا بشُعلة من نار، فاستعاذ منه ثلاث مرات حتى مدَّ يده .. " الحديث.


(٣٠٣) نص الحديث بتمامه هو ما روى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: إستأذن عمر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة قريش يُكلمنه ويستكْثرنه، عاليةً أصواتُهُن على صوته، فلما استأذن عمرُ قُمنَ فبادرنَ الحِجَابَ (أي ظهر عليهن الخوف وأخذن يتأهبن للخروج)، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك، فقال عمر: أضحك الله صوتك يا رسولَ الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عجبتُ من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلما سمعنَ صوتك ابتَدرنَ الحجاب، قال عمر: أنت أحق أن يهبْنَ يا رسولَ الله، ثم قال لهن عُمَرُ: ياعَدُواتِ أنفسِهن، أتهبْنني ولا تهبنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلْنَ: نعم، أنتَ أفظ أغْلظُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسى بيده، ما لِقيَكَ الشيطان سالكا فجًّا قط، إلا سلك فجا غير فجك". رواه الشيخان رحمهما الله.
والفج هو السبيل والطريق، ومنه قوله تعالى خطابا لنبيه ابراهيم عليه السلام حين بني البيت الحرام، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. سورة الحج. الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩.
(٣٠٤) نصه عند القرافي: "إنه قد تفَلتَ عليَّ الشيطان ليفسِدَ عليّ صلاتي، فلولا أنني قد تذكرت دعوةَ أخي سليمان لربطته بسارية من سَوَاري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة". قال القرافي، مبيِّناً الغاية من إيراده لهذا الحديث: "فلم ينفِر الشيطان من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نفر من عمر رضي الله عنه.
قلت: وهذا الحديث بتمامه أخرجه الإِمام مسلم رحمه الله في باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة، والتعَوُّذِ منه، وجوازِ العمل القليل في الصلاة، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة، فقال: عنِ أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن عِفْريتا من الجن جعل يَفتك عليَّ البارحة، لِيقطع عليَّ الصلاةَ، وإن الله أمكنني منه فدعَتُّه، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمَعُكُم، ثم ذكرت قول أخي

<<  <  ج: ص:  >  >>