للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[كيف نعرف أنفسنا؟!]

ثاني تلك المحاور التي تنطلق منها صفات جيل التمكين هو معرفة النفس، فعلى ضوء معرفة الإنسان بنفسه تكون معاملته لها، وتنقسم جوانب هذه المعرفة إلى قسمين: معرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة طبيعة النفس.

فمعرفة حقيقة الإنسان تنطلق من معرفة أصله الحقير وأنه من التراب ومن الماء المهين: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} (المرسلات:٢٠). وتنطلق كذلك من رؤية حجمه الصغير بالنسبة للكون المحيط به: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (غافر:٥٧).

هذا الإنسان خلق ضعيفًا في كل شئ .. في بنيانه ومدى مقاومته وتحمله ..

ضعيف أمام الأمراض، وأمام الشهوات، وأمام وساوس الشيطان ..

ومع ضعفه الشديد فإنه كذلك عاجز لا يستطيع جلب النفع لنفسه أو دفع الضر عنها.

وكذلك جاهل بعواقب الأمور، لا يعلم ماذا سيحدث له بعد أقل من ثانية ..

وهو أيضًا لا يمكن أن يقيم نفسه، أو يحفظ أجهزة جسمه أو ... فهو يحتاج إلى من يتولى حفظه وإمداده بمقومات الحياة .. يحتاج دومًا إلى الهواء وإلا هلك، ويحتاج إلى الطعام، والماء .. يحتاج إلى النوم وإلا فقد اتزانه .. يحتاج إلى استمرار عمل القلب، وجريان الدم في عروقه بسيولة معينة، يحتاج ويحتاج ..

هذا الإنسان الحقير، الصغير، الجاهل، الضعيف، العاجز، الفقير، يحتاج إلى من يحميه، ويعلمه، ويقويه، ويصرف عنه الأخطار، ويمده بأسباب الحياة لحظة بلحظة.

ومن يملك أن يفعل ذلك سوى الله عز وجل؟! {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس:٣١).

- طبيعة النفس:

ومع كون الإنسان بهذه الصفات إلا أن لنفسه طبيعة تتنافى معها.

فهي نفس شحيحة تحب الاستئثار بكل خير: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} (النساء:١٢٨).

لديها قابلية للفجور والطغيان .. تحب العلو التميز عن الآخرين.

ترغب دومًا في الراحة، وتكره المشاق والتكاليف ...

تريد شهوتها وحظها من كل فعل يقوم به العبد، فإن لم يكن الفعل يخدم شهواتها في الراحة والكسل والاستمتاع بالمحاب الظاهرة حرصت على تحصيل شهواتها الخفية من خلال ما يقوم به العبد من أفعال حسنة وذلك من خلال دفعه لحمدها والرضا عنها والفرح بها والاعتقاد في قدراتها وإمكاناتها، وأنه بها يفعل ما يريد، ويتميز على غيره، ويعلو عنهم، وهذا من أسمى ما تلتذ به النفس وتطرب وتنتشي ..

- أهمية معرفة النفس:

إذن فعندما يجهل الإنسان حقيقته وصفاته التي جُبِل عليها من ضعف وعجز وجهل واحتياج، فإنه بلا شك سينسى ربه، ولن يتعامل معه معاملة الفقير المحتاج الذليل الضعيف الجاهل الذي يعلم أن قيامه وحمايته وهدايته وحفظه و .. كل ذلك بيد مولاه.

وعندما يجهل الإنسان طبيعة نفسه فإنه يستسلم لها، ويحمدها على أفعالها، ويعجب بها ويسعى إلى إرضائها، ويغضب لها، ويستعين بها في أعماله، فتعظم في عينه، وتكبر، ويصغر في المقابل قدر الناس عنده فيؤدي ذلك إلى غروره وتكبره ومن ثم هلاكه.

من هنا يتبين لنا أهمية معرفة النفس معرفة راسخة تدخل في يقين الإنسان وتنعكس على مشاعره بدوام الحذر منها.

- كيف نعرف أنفسنا؟

من رحمة الله عز وجل بعباده تذكيره الدائم لهم بحقيقتهم وطبيعة أنفسهم، وذلك من خلال رسائله اليومية التي يرسلها لهم، ومن هذه الرسائل:

<<  <   >  >>