رأي المذهب المالكي
في التعاقد (استصناعا) أو (سلما)
على الأشياء التي يراد تصنيعها
نوضح فيما يلي – بإذن الله تعالى وتوفيقه – رأي المالكية في عقد الاستصناع، الذي أجازه المذهب الحنفي، ثم رأيهم في عقد السلم الذي يرد على عين تصنع، ثم تسلم عند حلول الأجل الذي اتفق عليه العاقدان في عقد السلم إلى المسلم (المشتري) .
المطلب الأول
رأي المالكية في جواز عقد الاستصناع
يرى المالكية عدم جواز عقد الاستصناع، الذي بيناه آنفا في المذهب الحنفي، والذي يدور حول أن يتعاقد المستصنع مع الصانع على أن يصنع له من مادة مملوكة للصانع شيئا ما بثمن معين يدفعه عند تقديم الصانع الشيء المستصنع إلى المستصنع.
* وقد أثار علماء المذهب هنا صورتين جمع بينهما أن المعقود عليه يسلم في المستقبل وكذا الثمن، وقد اختلف الحكم فيهما:
الصورة الأولى: (الشراء من دائم العمل حقيقة أو حكما (١) – كالخباز والجزار والبقال واللبان – وحكمه أنه بيع في المذهب، وروي عن مالك عدم جوازه.
(أ) قال الحطاب: (هذه تسمى بيعة أهل المدينة) لاشتهارها بينهم، والمسألة في كتاب التجارة إلى أرض دار الحرب من المدونة، وفي أوائل السلم قال في كتاب التجارة، وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم، يأخذ كل يوم شيئا معلوما، ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء، وكذلك كل ما يباع في الأسواق، ولا يكون إلا بأمر معلوم يسمى ما يأخذ كل يوم، وكان العطاء يومئذ مأمونا، ولم يروه دينا بدين واستخفوه انتهى. وقد ذكروا أنه يتأخر الشروع العشرة أيام ونحوها، وقال في رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع، وحدثنا مالك عن عبد الرحمن بن المجمر عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم من الجزارين بسعر معلوم نأخذ منه كل يوم رطلا، أو رطلين، أو ثلاثة، ويشترط عليهم أن يدفعوا الثمن من العطاء قال: وأنا أرى ذلك حسنا، قال مالك: ولا أرى به بأسا إذا كان العطاء مأمونا وكان الثمن إلى أجل، فلا أرى به بأسا، قال ابن رشد (كنا .... إلى آخره) يدل على أنه معلوم عندهم مشهور ولاشتهار ذلك من فعلهم سميت (بيعة أهل المدينة) ، وهذا أجازه مالك وأصحابه اتباعا لما جرى عليه العمل بالمدينة بشرطين، أن يشرع في أخذ ما أسلم فيه، وأن يكون أصله عند المسلم إليه، على ما قاله غير ابن القاسم في سماع سحنون من السلم والآجال.
(١) حقيقة ككون البائع من أهل حرفة هذا الشيء لتيسره عنده فأشبه المعقود عليه المعين، وحكما بأن يؤخر الشروع في الأخذ خمسة عشر يوما – الدسوقي: ٣/٢١٦، والحطاب