وليس ذلك محض سلم، ولذلك جاز تأخير رأس المال إليه فيه، ولا شراء شيء بعينه حقيقة، ولذلك جاز أن يتأخر قبض جميعه إذا شرع في قبض أوله.
(ب) وقد روي عن مالك أنه لم يجز ذلك، ورآه دينا بدين. وقال تأويل حديث (مجمر) أن يجب عليه ثمن ما يأخذ كل يوم إلى العطاء، وهذا تأويل سائغ في الحديث، لأنه إنما سمي فيه السوم وما يأخذ كل يوم، ولم يذكر عدد الأرطال التي اشترى منه فلم ينعقد بينهما بيع على عدد مسمى من الأرطال، فكلما أخذ شيئا وجب عليه ثمنه إلى العطاء، ولا يلزم واحدا منهما التمادي على ذلك إذا لم يعقدا بيعهما على عدد معلوم مسمى من الأرطال، فكلما أخذ شيئا وجب عليه ثمنه إلى العطاء، وإجازة ذلك مع تسمية الأرطال التي يأخذ منها في كل يوم رطلين أو ثلاثة على الشرطين المذكورين هو المشهور في المذهب، وهو قوله في هذه الرواية: وأنا أراه حسنا، معناه: وأنا أجيز ذلك استحسانا، اتباعا لعمل أهل المدينة وإن كان القياس يخالفه انتهى.
هذه المسألة كما قررها علماء المذهب تحتوي على عناصر معينة.
١- أن يتعاقد المشتري مع شخص دائم العمل حقيقة، أو حكما ككون البائع من أهل حرفة ذلك الشيء لتيسره عنده، فأشبه المعقود عليه المعين. (قال اللخمي (السلم في الشيء لمن هو من أهل حرفته جائز على الحلول) .
فهو تعاقد مع أهل حرفة معينة، وضربوا له مثلا بالخباز، والجزار، واللبان والبقال ومثل ذلك كل ما يباع في الأسواق.
٢- أن المعقود عليه كله غير موجود وقت التعاقد، وأن مقتضى هذه المهنة أن يوجد مع البائع في كل يوم، وما على المشتري إلا أن يتقدم إليه لأخذ ما اتفقا عليه من المقدار في كل يوم.
٣- (أن الشراء إما لجملة يأخذها مفرقة على أيام – كقنطار بكذا كل يوم رطلين – أو يعقد معه على أن يشتري منه كل يوم عددا معينا – وليس لأحدهما الفسخ في الصورة الأولى، أما الثانية فلأي منهما ذلك) الدسوقي: ٣/٢١٦، ومسألتنا هي الأولى.
٤- أن مقدار ما يأخذه البائع في كل يوم معلوم.
٥- أن الثمن هنا في صورتنا مؤجل إلى أجل معلوم – وهو العطاء – وكان العطاء يومئذ مأمونا – ومنه يفهم أن الأجل معلوم لأن للعطاء أجلا معينا، وأن الوفاء بالثمن مطمئن إليه، لأن العطاء مأمون الوصول إلى مستحقه. فإذا حل الأجل سلمه جميع ثمن ما أخذه خلال المدة الماضية.