للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاءوا بالمراء والجدل، وشققوا الكلام بالرأي والهوى، وعندئذ نجم الخلاف وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجراة يومًا إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له الجعد بن درهم، وكان شيطانًا خبيث المهب تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود يقال له طالوت، فكذب القرآن في اتخاذ إبراهيم خليلًا، وفي تكليم موسى، وإلى هذا وشبهه , وكان من قوله "إن فصاحة القرآن غير معجزة، وإن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها" ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص إعجاز القرآن، فقام بالأمر كهف المعتزلة ولسانها " النظّام " فأتاه من قبل الرأني والنظر (١) , واستمر الأمر كذلك إلى أن تبنى المعتزلة فتنة القول "بخلق القرآن" في زمن الخليفة المأمون، الذي أيديهم وتبنى وجهة نظرهم ومبادئهم التي منها تقديم التحسين العقلي على الشرعي، ومما زاد في كثرة الفتن أمر المأمون بترجمة التراث الروحي للثقافات الأخرى من فارسية ويونانية (٢) .

ويقول الدكتور عبد الحليم محمود: "ومهما تحدث المتحدثون عن الازدهار والقوة والمجد في عصر المأمون، ومهما قالوا من أنه العصر الذهبي للأمة الإسلامية، فإنه مع ذلك عصر يتسم بسيئتين: الأولى: دخول المأمون في النزاع الذي كان بين علماء المسلمين في مسألة خلق القرآن، لقد دخل المأمون في هذا النزاع بقوة الدولة رغبة ورهبة، لقد دخل متحيزًا لفئة منكلًا بالفئة الأخرى، لقد تحيز للمعتزلة وهم قوم حكموا أهواءهم في الدين، وحسبوا أن ما يقولونه هو حكم العقل..، والثانية: أنه برغم موقف جمهور المسلمين الحاسم من التراث الروحي للأمم الأخرى، وبرغم معارضتهم الشديدة للغزو الفكري، فإن المأمون تحداهم تحديًا سافرًا، آمرًا بترجمة التراث الروحي والأخلاقي للأمم الأخرى يونانية كانت أو فارسية أو غيرهما" (٣) .


(١) مقدمة الظاهرة القرآنية: ص ٤٠
(٢) وكان ذلك سنة ٢١٢؛ انظر كتاب دول الإسلام: الذهبي: ١/ ١٣٠، وانظر في إبطال القول بخلق القرآن، شرح العقيدة الطحاوية: ص ١٧٣ ـ ١٧٦، ص ٢٩٨
(٣) القرآن والنبي: ص ١٤٨ ـ ١٥٢

<<  <  ج: ص:  >  >>