للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واستشهد من المسلمين من استُشْهد وانصرف المشركون إلى مكة أرادوا أن يُرعبوا المسلمين، فأرسلوا إليهم يهدِّدونهم ويقولون: إننا سنرجع إليكم، فنقضي على بقيّتكم، فلما بلغ الخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين قالوا: {حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} لم يؤثِّر عليهم هذا التهديد، وأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه أن يخرجوا وفيهم الجراح، وفيهم التعب بعد المعركة، فنهضوا مسرعين وخرجوا مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونزلوا في مكان يُقال له: (حمراء الأسد) ينتظرون المشركين، فلما علِم المشركون بخروج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخروج المسلمين أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة، فهربوا إلى مكة وألقى الله الرعب في قلوبهم لَمّا صدَق المسلمون وصبروا وتوكّلوا على الله، ولم يؤثّر فيهم تهديد هؤلاء: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ} رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} أي: ما أصابهم ما يكرهون، بل حصلوا على الأجر والثواب {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} .

ثمّ قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} أي: الذي حصل من المشركين من التهديد إنما هو من الشيطان.

والمراد بالشيطان: إبليس اللعين الذي هو رأس الكفر.

{يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي: يخوِّفكم بأوليائه من الكفار، فالشيطان هو الذي خطّ هذه الخطة من أجل أن يخوِّفكم بأوليائه، يعني: المشركين، لأن المشركين أولياء الشيطان، كما أن المؤمنين أولياء الرحمن، كما قال تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) } .

فمعنى قوله تعالى: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي: يخوِّفكم أيها المسلمون بأوليائه من الكفّار.

ثمّ قال تعالى: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} لا تخافوا من الكفّار بل توكلوا على الله، وخافوا من الله، وفي الأثر: "من خاف الله خافه كلُّ شيء، ومن خاف غير الله أخافه من كلُّ شيء".

{فَلا تَخَافُوهُمْ} هذا نهيٌ من الله سبحانه وتعالى عن خوف أولياء الشيطان، ثمّ أمر بخوفه وحده سبحانه وتعالى.

ومن خاف الله فإن الله يكفيه ويعينه وينصره خلاف العكس: من خاف غير الله وترك طاعة الله من أجل خوف النّاس فإن الله يسلِّط عليه، فالواجب على المسلمين

<<  <  ج: ص:  >  >>