للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه. وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك» (١).

ومن ذلك مناظرته لبعض القبورية حين استدلوا على ولاية العبيديين بأن الخيل تُشفى عند قبورهم، فقام شيخ الإسلام بقلب دليلهم دليلاً عليهم، وبين أن شفاء الخيل بسبب ما تسمعه من عذابهم في القبور، لا بسبب ولايتهم وصلاحهم (٢).

[٢٣) عدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات]

لم يكن شيخ الإسلام يتوقف في نقاش خصومه ومجادلتهم مادام أن موضوع البحث يمكن أن يكون محلا للبحث والنقاش والمجادلة، أما إذا وصل الأمر إلى المناقشة في البديهيات، والجدال في الضروريات التي لا يمكن أن يختلف فيها اثنان، فإن هذه إمارة واضحة على انقطاع الخصم وإفلاسه من الدليل والحجة، وهذه الطريقة يلجأ لها كثير من المعاندين للحق بعد تبينه لهم، والمستكبرين عن قبوله بعد ظهوره لهم، ولذلك لم يكن شيخ الإسلام يجاريهم، ومن ذلك ما وصل له شيخ الإسلام في مناظرته مع ابن المرحل، حيث قال له بعد إصراره على الجدال في مثل هذه الأمور: «الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه» (٣)، وقرر -رحمه الله- أن المناظرة في البديهيات، والمجادلة في المسلمات ما هو إلا ضرب من السفسطة، قال رحمه الله في مناظرته لابن المرحل: «وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع


(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٨٨).
(٢) انظر: الرد على البكري (٢/ ٥٨٧).
(٣) مناظرة ابن المرحل ضمن العقود الدرية (ص:١٢٦)، مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩).

<<  <   >  >>