للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حتى شبهوه بالممتنعات، فهربوا من أمر ووقعوا في ما هو أعظم منه، قال شيخ الإسلام: «فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل، ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه، بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن، ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات» (١).

[المسألة الثالثة: دعواهم أن إثبات الصفات إنما هو اعتقاد أحمد فحسب]

[تمهيد]

بعد أن أعيت مناظري شيخ الإسلام الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، بدأوا باستخدام طريقة العجزة المفلسين، وذلك برمي الدعاوى والاتهامات دون حجج وأدلة، فرموه بتهمة التشبيه والتجسيم، ثم حاولوا بعد ذلك أن يبحثوا عن منشأ القول بإثبات الصفات -الذي يسمونه تشبيهاً وتجسيماً-؛ وذلك ليقرروا تأثره بتلك الجذور، وأن هذا القول إنما اختص به شيخ الإسلام ومن تأثر به، ولذلك فقد نسبوا اعتقاده الذي كتبه في إثبات الصفات إلى أنه مذهب الإمام أحمد، وأشاروا إلى أنه قد اعترى أصحاب أحمد ومتبعيه من التشبيه والتجسيم الشيء الكثير.

ومن الحاضرين من تعاطف مع شيخ الإسلام فأشار عليه بأن ينسب هذا القول لأحمد، لينقطع الخصوم، ويتخلص شيخ الإسلام -بهذه الطريقة- من نقاشهم وجداله؛، وما ذلك إلا لأن القوم أهل تقليد أعمى، فالاحتجاج عليهم بمذهب إمام متبع، أوقعُ في نفوسهم وأجدرُ بالقبول، من الاحتجاج بآية بينة أو حديث صحيح.


(١) شرح حديث النزول (ص: ٨ - ٩).

<<  <   >  >>