للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هـ «١» يطالع كتابا، يعني أنه قد تغيّر حفظه «٢» . ومما يثير العجب والاستغراب أنّ الإمام معاذ بن معاذ تقدّم إليه رجل بألف دينار على ألا يكتب في كتابه شيئا عن رجل سماه، فلا يوثقه، ولا يجرحه، بل يسكت عنه، فرفض الإمام ذلك المال بشدّة، وقال: إنّي لا أكتم الحق «٣» ، فهل يعرف أحد في تاريخ البشر مثالا للاحتياط في العلم والأمانة للحقّ والاستقامة على منهج الصّدق أعلى من هذا المثال؟ على أنّ جميع مرويات السنة لا تزال محفوظة كما هي إلى زماننا هذا، وإنّ قواعد النقد الموضوعة، وأحوال الرواة الممحّصة، قد يسّرت لكلّ من شاء حتى في زماننا هذا وفي كل زمان أن يميز بها بين الصحيح والسقيم، والغثّ والسمين، والرّاجح والمرجوح، والقويّ والضعيف.

ستة مصادر لسيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلم وهديه:

سادتي: لقد شغلت شطرا من وقتكم الثمين بإيراد هذه الأمور العلمية التي قلّما يستطيبها السّامعون، لكنّي فيما أظنّ قد استعرضت لكم أنحاء مختلفة من السّيرة النبوية، ومثلت أمامكم جوانبها التاريخية المتنوعة، وأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي صلّى الله عليه وسلم وهديه، وكيف دوّنت تلك المصادر وجمعت،

[المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: ما اقتبس من القرآن الحكيم]

وإنّ أهمّ ما في سيرته صلّى الله عليه وسلم، وأوثقها، وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد، وهو الذي لم يشك في صحته العدوّ اللدود فضلا عن الحبيب الودود. والقرآن يقصّ علينا جميع مناحي السيرة النبوية، وطرفا من حياته صلّى الله عليه وسلم قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه، وفقره، وتحنثه، كما يذكر لنا شؤونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه، وتبليغه إيّاه، والعروج به، وعداوة الأعداء، وهجرته، وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه صلّى الله عليه وسلم، كلّ ذلك تراه مذكورا في


(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الملك بن مسعود، توفي سنة ١٦٥ هـ.
(٢) تهذيب التهذيب، الجزء السادس، ص ١١.
(٣) نفس المرجع.

<<  <   >  >>