المكتبة الشاملة

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

فصل فيما وقع من الحوادث في
السنة الرابعة والسبعين بعد الستمائة
استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحكم بأمر الله.
والسلطات الملك الظاهر بيبرس في دمشق، وأرسل الأمير بدر الدين الخزندار السلطان الملك ظاهر بيبرس في دمشق، وأرسل الأمير بدر الدين الخزندار إلى مصر في الرابع والعشرين من المحرم لإحضار ولده الملك السعيد، فتوجّه وأحضره، ودخل دمشق في سادس صفر من هذه السنة، وكان يوماً مشهودا.
ذكر نزول التتار إلى البيرة
وفي يوم الجميس ثامن جمادى الآخرة: نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألفا من المقاتلة منهم خمسة عشر ألفا من المغول وخمسة عشر ألفا من الروم، فعلى المغول أمير يسمى ابطاى، على الروم الأمير معين الدين سليمان البرواناه، ومعهم جيش الموصل، وجيش ماردين، الأكراد، وذلك بأمر أبغا بن هلاون ملك التتار، فنصبوا على البيرة ثلاثة وعشرين منجنيقا، فخرج أهل البيرة في الليل، فكبسوا العسكر وأحرقوا المنجنيقات، ونهبوا شيئاً كثيرا، ورجعوا إلى حصنهم سالمين، فأقام الجيش عليها إلى تاسع عشر الشهر المذكور، ثم رجعوا عنها بغيظهم، ولما بلغ السلطان الظاهر ذلك أنفق في العساكر نفقة كاملةً.
قال ابن كثير: أنفق في الجيش ستمائة ألف دينار، وركب سريعا، وفى صحبته ولده الملك السعيد، فلما وصل إلى القطيفة بلغة أن التتار سمعوا بحركته فوهنوا ورجعوا عن البيرة، فسار السلطان إلى حمص، ثم إلى حلب.
وقال بيبرس: وكان السهب في رجوع التتار عن البيرة أن البرواناه كان قد مال إلى جانت الملك الظاهر وكاتبه يعرفه أنه على طاعته ومناصرته ويحسن له القدوم إلى الروم، فصدر جواب السلطان إليه معتذرا بقلة المياه في هذه السنة، ووعده التوجه في السنة القابلة، فبلغ ذلك ابطاى، فجرّد أميرا يسمى كستاى بهارد في أربعمائة فارس ليحفظوا الطرقات على قصاد البرواناه ويحضروهم إليه، فذهبوا وأمسكوا القصّاد وأحضروهم إليه، فوقف على الكتب، فوجد من مضمونها إنكم تطمعون التتار حتى نحضر بالعساكر، فتكونوا من ورائهم ونحن من أمامهم، فرحل من وقته، وأرسل الكتب والقصاد إلى أبغا، فتغير أبغا على البرواناه وأرسل يستدعيه إلى الأردو.
فعلم البرواناه أنه إنما 599 يطلبه ليهلكه، فكرر المكاتبات إلى السلطان واستحثه على القدوم بعساكره، وتقاعد البرواناه عن التوجّه إلى أبغا.
ولما تكررت رسل أبغا إلى البرواناه بأن يسير إليه اعتذر بأنه مهتم في جهاز ابنه السلطان ركن الدين التي من كرجى خاتون، وكان أبغا قد طلبها ليتزوجها، فأرسل إليه إن كنت قد خامرت حقا وإلا فتحضر.
فسار من قيسارية وتوجه يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وجرد جيش الروم إلى أبلستين، فخرجوا من قيسارية وتركوا بها السلطان غياث الدين كيخسرو ابن ركن الدين قليج أرسلان وهو ليس له إلا الإسم فقط، وحضر أمراء الروم إلى أبلستين في هذه السنة، وكان وصولهم إليها في شهر صفر من هذه السنة وهم: تاج الدين كلو، وعلاء الدين على ولد معين الدين سليمان البرواناه، وشرف الدين مسعود بن الخطير، وضياء الدين محمود أخوه، ونور الدين بن جبجا، وسيف الدين طرنطاى صاحب أماسية، وسنان الدين الرومى ولده.
وبقي البرواناه ينتظر ما يتجدد من جهة السلطان من أخبار وصوله إلى بلاد الروم ليعود إليه، ثم أرسل البرواناه يستدعي سيف الدين طرنطاى صاحب أماسية، فتوجه إليه وقال له: أنت تعلم أنني لست أختار القدوم على أبغا ولا يسعني التأخير إلا بسبب مانع عن السير، فإذا عدت من عندي تتفق مع الأمراء وتكون كتبكم متواترة إلى بأن الملك الظاهر قد قصد البلاد، وتحرّضوني على الرجعة، وتحشوني على السرعة.
فعاد من عنده وتوجه البرواناه إلى نحو جهة قصده.
ولما رجع سيف الدين طرنطاى إلى قيسارية رجع العسكر الذين كانوا بأبلستين إليها، ولم يتأخر منهم سوى سيف الدين أبو بكر جندر باك مقطع أبلستين، ومبارز الدين سوارى بن تركرى الجاشنكير، وفروج أمير آخور، واعتمد سيف الدين طرنطاى والأمراء الذين معه ما أشار 600 به البرواناه، وكاتبوه عدة مكاتبات بأن السلطان الملك الظاهر قاصد البلاد بعساكره، وإنك إن لم تسرع العودة إلينا وإلا فالبلاد منا مأخوذة.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل