المكتبة الشاملة

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

وكان له حسن تأنى في أموره واصطناع المعروف، فمن أغرب ما حكى عنه أنه أقام زمانا يتوقع وقوع بعض أرباب البيوت إلى أن أتى إليه البعض فأخبره بأن بعض أولاد الأمراء في بستان ومعه فلانة، وكان يبلغه عنها من اللطف والطرافة والملاحة، وصبر إلى الليل وركب وحده ومعه مملوك صغير فجاء ودخل عليهم، فلما رأوه وجموا منه وخافوا، فقال لهم: لا تخافوا، وأسهم في الحديث وشرب معهم، ورأى من تلك المرأة أكثر مما وصفوه له عنها، فلما أراد أن يقوم قامت تلك المرأة فدخلت إلى مكان وخلعت جميع ما عليها من الحلى والفصوص وغيرها وجمعت الجميع في منديل وخرجت إليه فوضعته بين يديه واعتذرت أن الأمير حضر عندنا على غفلة، وهذا يكون عندك على سبيل الرهن إلى حين أحضر إلى خدمتك ومعي ما يصلح لضيافتك، فلحقه من ذلك خجل وجياء، وجعل يحلف إلى أن قامت فكشفت رأسها وحلف صاحب المجلس بالطلاق، فعند ذلك أخذه وخرج من عندهم، وأقام على ذلك مدة لم يحضر إليه أحد، ثم أنه طلب بعض الصاغة وقال له: قوم ما في هذه الأشياء من الذهب والفضة، فأخذ الصائغ في النظر إليها، ثم قال يا خوند: هذا جميعه زغل معمول من الرصاص قد أطلى بالذهب والفضة، فتعجب الأمير من ذلك ودهش ورده إلى مكانه، وبقى متفكرا في هذه الحيلة من تلك المرأة، فحنق عليها وقال: ما لهذه إذا وقعت إلا أن تهتك، ولا آمن بعد هذا امرأة، فمضى على هذا بعض الأيام، ثم أنه ذات يوم كان جالسا؛ فإذا خادم له قد دخل عليه وقال له: إن على الباب امرأة محتشمة ومعها خادم وهي تريد أن تجتمع بالأمير، فأذن لها بالدخول فدخلت وعليها آثار الحشمة، فأجلسها وقال لها: لعل حاجة، فأخرجت كيسا فيه ثلاثمائة دينار، وقالت يا خوند: عندك رهن، وقد أحضرت المبلغ الذي عليه، فعرف الأمير في ذلك الوقت أنها تلك المرأة التي عملت ما عملت، فعند ذلك أمر الأمير فأخرجوا قماشها قطعة بعد قطعة، ثم قال لها: من صاغ لك بهذا المصاغ؟ قالت: شخص أعرفه. قال: فهل علمت ما فعل؟ قالت: نعم. قال: فما حملك على مثل هذا؟ قالت: فعلنا هذا لمثل من لا يخاف الله. قال: فلم أعطيتني هذا؟ قالت: خشيت أن يحملك الغيظ بقلة الوثوق من النساء في مثل هذه الواقعة ولا تقع منك رحمة في غيرنا ولا تستر أحدا بعدنا. فقال الأمير: جزاك الله عن مروءتك خيرا، فلا والله لا يتبعني منك شيء، وحلف بالطلاق على ذلك، فأخذت الذهب وذهبت، ثم أصبحت وسيرت له قماشا له صورة.
الملك السعيد إيلغازى بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان الأرتقى، صاحب ماردين.
توفى في هذه السنة وكانت مدة مملكته بها دون ثلاث سنين، وتولى عوضه أخوه الملك المنصور نجم الدين غازي، رحمهم الله تعالى.
فصل فيما وقع من الحوادث في
السنة السادسة والتسعين بعد الستمائة
استهلت هذه السنة والسلطان هو الملك العادل كتبغا، وكان مسافرا في الشام - كما ذكرنا -، ثم إنه توجه قاصدا الديار المصرية في أوائل المحرم، ولما وصل إلى ماء العوجاء ركب الأمراء - على ما ذكرنا - وجرى ما ذكرنا من هروب السلطان كتبغا إلى دمشق، ثم إنهم اتفقوا وهم بمنزلة العوجاء بعد سفر كتبغا على إقامة الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري سلطانا.
ذكر سلطنة لاجين المنصوري
قال بيبرس في تاريخه: في المحرم من هذه السنة اتفق الأمراء - وهم بمنزلة العوجاء بعد مفر كتبغا - على سلطنة لاجين المنصوري، فأقاموه ولقبوه بالمنصور، وشرطوا عليه شروطا فالتزمها، منها: أن يكون كأحدهم لا ينفرد برأي عنهم، ولا يبسط يد أحد من مماليكه فيهم.
وكان الأعيان الحاضرون في هذه المشورة والمتفقون على هذه الصورة: الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، والأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري، والأمير سيف الدين قفجق، والأمير سيف الدين بهادر الحاج أمير حاجب، والأمير سيف الدين كرد، والأمير حسام الدين لاجين الرومي أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، والأمير عز الدين أيبك الخزندار والأمير جمال الدين أقوش الموصلي، والأمير مبارز الدين أمير شكار؛ والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين سلار، وسيف الدين طقجى، وسيف الدين كرجى، وعز الدين طقطاى، وسيف الدين برلطاى، وغيرهم.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل