المكتبة الشاملة

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

كان يقفون بين يديه كما يفعل بالملوك، ومن أكبر حسناته وقفه المارستان الذى بسفح جبل قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح في القبَّة التي تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة.
السلطان الملك غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقياذ ابن كيخسرو بن قليج أرْسَلان بن مسعود بن قليج أرْسَلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قلطومش ابن أرسلان بن سلجوق.
وخلَّف من الأولاد ثلاثة وهم: عزّ الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، ولما توفى والدهم استقرُّوا في السلطنة ولم ينفرد بها أحد عن الآخر، وضربت السكَّة بأسمائهم مشتركة، وخطب لهم جميعاً، وكان أبوهم قد فوض ولاية عهده إلى ولده علاء الدين كيقباذ الذى هو من كرُجى خاتون، فانفقوا على أن يتوجه إلى مكنوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرّر له الإتاوة، ليكُفّ عساكره المتوالية، ويمنع جيوشه العادية، وأما التتار فإنهم استولوا على قيسارية وأعمالها وصار إليهم مسافة شهر من بلاد الروم وأقاليمها في هذه البرهة اللطيفة يقتلون ويأسرون وينهبون، ثم لما استأصلوا شعبها وبالغوا في تخريبها عادوا إلى مستقرهم.
وكانت توليه غياث الدين كيخسر والمذكور في السنة التى مات فيها والده علاءُ الدين كيقباذ وهى سنة أربع وثلاثين وستمائة، فيكون مدة مملتكه عشرين سنة، وكان والده علاءُ الدين قد زوجه بكرُجى خاتون ابنة ملك الكُرج، فلما صارت إليه السلطنة صيَّر أخاها وكان نصرانياً لم ينتقل عن ملته مقدماً على الجيش، فكرهه الأمراءُ وكرهوا السلطان غياث الدين لتقديمه إياه عليهم، وقد خطب نفر من المؤرخين في تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه.
فإن قلت: أنت قد ذكرت في أول سنة إحدى وخمسين وستمائة أن صاحب الروم ثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعلاء الدين كيقباذ أولاد غياث الدين كيخسرو، فيكف يلتئم هذا الكلام بالذى ذكرته آنفاً؟ قلت: هذا نقلتُه هناك في تاريخ بيبرس، ولكنه أطلق كلامه بحيث أنه يوهِمُ أن غياث الدين كيخسرو الذى هو والد الثلاثة مات في تلك السنة، أعنى سنة إحدى وخمسين وليس كذلك، بل وجهه أنه كأنه قسم بلاده في حياته بين أولاده الثلاثة المذكورين في السنة المذكورة، واستقلَّ كل منهم سلطاناً، إلا أنه مات في تلك السنة، واستقلوا سلاطين فيها، فافهم، والله أعلم.
فصلٌ فيما وقع من الحوادث في
السنة الخامسة والخمسين بعد الستمائة
استهلت هذه السنة، والخليفة: وهو المستعصم بالله.
وسلطان الديار المصرية: الملك المعز أيبك الصالحى، ونائبه فيها الأمير سيف الدين قطز، ولكن أيبك قتل في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله.
وسلطان الشام وحلب: الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز ابن الظاهر بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وصاحب بلاد الروم: الأخوة الثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيسخرو، ولكن كبيرهم علاء الدين كيقباذ، وهو كيقباذ الصغير، وجده هو كيقباذ الكبير، وعلاء الدين كيقباذ الأصغر، مات هو أيضاً في هذه السنة.
ولنذكر أولاً وفاة الملك المعز أيبك، ثم وفاة كيقباذ الأصغر.
ذكر وفاة الملك المعزّ أيبك الصالحى
والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو السلطان الملك المعزّ عز الدين أيبك الصالحى اللجمة التركمانى المعروف بالجاشنكير، كان من أكبر مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، وكان من الأخصاء عند أستاذه الملك الصالح، وترقى حاله عنده إلى أن غلب على الديار المصرية بعد قتل الملك المعظم تورانشاه بن الملك الصالح، وصار أتابك العساكر بالديار المصريَّة، ثم استقرَّ في السلطنة في التاريخ الذى ذكرناه.
الثانى، في سيرته: كان ديناً صيناً عفيفاً كريماً، شجاعاً، وهو الذى وقف المدرسة المعزية التي بمصر على شاطىء النيل، ومكث في الملك نحوا من سبع سنين. وقال بيبرس في تاريخه: كانت دولة المعز خمس سنين وأشهراً.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل