للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أما الشاميان الحنبليان فمع تقديمهما لظواهر القرآن والحديث فقد خالفا الظاهرية بأن بحثا عن التعليل العقلي لأحكام الشرع، معتقدين أنه لا بد أن يكون الشّارع الحكيم فرضها لخير النّاس، وكان من فضلهما أن صيّرا المعتقدات إلى معارف تبرّرها العقول ليتمّ رسوخ الإيمان.

وحارب الفقيهان الحيلة على الدين وعدوها -كإمامهم أحمد- جبنا وغشا لتغطية الحق عن الناس، كما شجبا الإلهام الصوفي الذي سرى من جهة غلاة المتصوفة، واعتبره بعض المتأخرين منهم مسانيد لها قوة النصوص.

وقد أقفل الحنابلة هذا الباب لأنهم رأوه مدخلا للمفاسد والشرور وطريقا واسعا للكذبة والمدلسين على الدين، وخافوا أن يدعي المدعون إثبات ما يلذ لهم بحجة الالهام والذوق والكشف، فيكون وحيا زائدا على وحي النبوات.

وكذلك الرؤى والأحلام لا تكون حجة ولا تلزم العمل بها، ولا يثبت بها حكم شرعي -وإن كانت رؤية النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رؤيا حق- ولكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لانعدام قدرته على الحفظ، ومن أجل ذلك يسقط عنه التكليف١.

والشريعة الإسلامية قد تمت واكتملت فلا تزيدها الإلهامات والرؤى والكشوف أحكاما، وقد منع هذه الزيادات وغيرها على الشريعة قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة من الآية: ٣] .

وولد في مطلع هذا الفجر إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي نضو


١ - المدخل لابن بدران: ١٣٨.

<<  <   >  >>