للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- أولا: النية: لما روى عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى) (٢) ولأنه عبادة محضة، فلم يصح من غير نية، كالصلاة.

وتجب النية لكل يوم، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة فلو نوى من أول ليلة في رمضان صوم جميعه لم يجزئ إلا عن أول يوم، لكن يسن له ذلك ليصح صوم النهار الذي نسيها فيه على مذهب الإمام مالك (٣) ، كما يسن له أن ينوي أول النهار الذي نسيها فيه ليصح صومه على مذهب الإمام أبو حنيفة (٤) ، هذا إن نوى عندئذ تقليده، فإذا لم ينو التقليد كان متلبسا بعبادة فاسدة وهذا حرام. وإن نسى النية في ليلة من الليالي، ولم يقلد المذاهب الأخرى، وجب عليه قضاء ذلك اليوم.

محل النية: محل النية القلب، وتكون بأن يستحضر حقيقة الصوم التي هي الإمساك عن المفطر جميع النهار، بقلبه، ولا تكفي النية باللسان دون القلب، لكن يندب النطق بها ليساعد اللسان القلب.

ولو نوى الصوم وهو في الصلاة، أو في حالة الجماع، أو في أثناء الأكل، صحت نيته. ويشترط في نية صوم الفرض أمران:

-١- التبييت: فلا بد من إيقاع النية ليلا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (٥) . ويصح التبييت في أي جزء من الليل، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أما إن قارنت النية الفجر فلا يصح صومه وعليه القضاء. ولا يضر الأكل والشرب والجماع بعد النية، وكذا الجنون والسكر والإغماء والنوم.

وإذا شك قبل الغروب هل وقعت نيته قبل الفجر أم بعده لم يصح للتردد بالنية، أما لو شك هل طلع الفجر أم لا بعد أن كان ناويا فيصح ذلك، وأما لو شك بعد الغروب هل نوى أم لا، ولم يتذكر فلا يؤثر لمشقة إعادة الصوم (٦) .

ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو بلسانه، فإن قصد التبرك، أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى، لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك لم يصح صومه، ومثله ما لو قال: أصوم غدا إن شاء فلان، أو إن نشطت، لم يصح صومه لعدم الجزم.

-٢- التعيين: فلا يصح الصيام دون تعيين نوع الفرض، هل هو كفارة (٧) أو نذر (٨) أو أداء أو قضاء عن رمضان، لقوله صلى الله عليه وسلم (وإنما لامرئ ما نوى) فهذا ظاهر في اشتراط التعيين.

وإذا كان على المرء قضاء اليوم الأول من رمضان، فصام ونوى قضاء اليوم الثاني، فلا يجزئ، وكذا لو كان عليه قضاء يوم من رمضان سنة، فنوى قضاءه من صوم أخرى غلطا لا يجزئه، وإن كان لو أطلق نيته عن واجبه في الموضعين أجزأه.

وينبغي أن تكون النية جازمة، فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان وإلا فهو مفطر أو متطوع، فكان منه، لم يجزئه صوم ذلك اليوم عن رمضان إلا إذا ظن كونه منه، حين نوى، وذلك بقول من يثق به، لأن غلبة الظن هنا كاليقين، كما في أوقات الصلوات فتصح النية المبنية عليه.

وأقل النية في صوم رمضان: نويت صوم رمضان، أو نويت الصوم عن رمضان، فلا تجب نية الغد، ولا أداء، ولا إضافة لله تعالى، ولا تعيين السنة.

وأكملها: نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى.

أما نية صوم النفل فلا يشترط فيها التبييت (٩) بل تجزئه النية قبل الزوال، بشرط انتفاء المفطرات قبلها، لما ورد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: "دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟) فقلنا: لا. قال: (فإني إذن صائم) . ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْس (١٠) . فقال: (أرينيه فلقد أصبحت صائما، فأكل) " (١١) .

وكذا لا يجب التعيين، فتصح نية النفل بقصد القلب ما معناه: نويت صوم غد لله تعالى.

إلا أن يكون صوما مرتبا كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض، وستة من شوال، وغيرها، فيشترط في صومها التعيين لتحصيل ثوابها المعين، أما الصوم فصحيح وإن لم يعين.


(١) مطلقاً؛ سواء كان الصوم مفروضا أو مسنونا.
(٢) مسلم ج ٣/كتاب الإمارة باب ٤٥/١٥٥.
(٣) عند الإمام مالك تكفي نية صوم جميع الشهر في أول ليلة منه.
(٤) يصح صوم رمضان عنده بنيته إلى قبل الزوال كل يوم.
(٥) النسائي ج ٤/ص ١٩٦.
(٦) بخلاف الصلاة، فعليه الإعادة إذا شك بعد السلام بالنية.
(٧) دون تعيين الكفارة عن يمين أو ظهار.
(٨) دون تعيين نوع النذر: تبرر أو لجاج.
(٩) أما في صوم الصبي رمضان، فيجب تبيت النية رغم أن صومه يقع نفلا.
(١٠) الحيس: هو طعام يتخذ من تمر وسمن وغيرهما.
(١١) مسلم ج ٢/كتاب الصيام باب ٣٢/١٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>