للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وهذا الجنس -أعني ما يؤلم النفس ويخالف هواها- فيه كفارة للذنوب وإن كان لا صنع فيه للعبد كالمرض ونحوه، فكيف بما كان حاصلا عن فعل العبد واختياره إذا قصد به التقرب إِلَى الله عز وجل؟!

فإن هذا من نوع الجهاد في سبيل الله الَّذِي يقتضي تكفير الذنوب كلها.

ولهذا المعنى كان المشيُ إِلَى المساجد كفارة للذنوب أيضًا، وهو نوع من الجهاد في سبيل الله أيضاً، كما خرّجه الطبراني (١) من حديث أبي أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلم: "الغدو والرَّواح إِلَى المساجد من الجهاد في سبيل الله".

كان زياد مولى ابن عباس أحد العباد الصالحين، وكان يلازم مسجد المدينة، فسمعوه يومًا يعاتب نفسه ويقول لها: "أين تريدين أن تذهبي؟! إِلَى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تُبصري دار فلان ودار فلان".

لما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إِلَى نفسه تشريفًا لها،

وتعلّقت قلوب المحبين لله عز وجل بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: ٣٦ - ٣٧].

أين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم؟!

قلوبُ المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إِلَى بيوت معبودهم مترددة:

يا حبّذا العرعرُ النجدي والبان ... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا

وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوى ... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ

لا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ

يهفو إلى البان من قلبي نوازعُه ... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ


(١) في "المعجم الكبير" (٨/ ٧٧٣٩)، وفي "مسند الشاميين" (٨٧٩) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩ - ٣٠): وفيه القاسم بن عبد الرحمن وفيه اختلاف.
وذكر الدارقطني في العلل (٨/ ١٤١) برقم (١٤٦٠) اختلافًا في الحديث في الرفع والوقف ثم قال: والموقوف أولى.

<<  <   >  >>