للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أصبح يرى ضالته المنشودة في الغابرين الأولين من أهل القرون الخالية: أصبح يراها في الماضي البعيد، والماضي عنده عالم حافل بأعلامه وأحداثه، زاخر بخيره وشره: لا عيب فيه سوى أن القدم قد صهره ومحصه، وأن الموت قد نفى خبثه عن طيبه، وزغله عن صميمه، فبدت فيه كل نفس على حقيقتها، ومثَّل كل حادث على جليته، من أجل ذلك اصطفى صاحبي من الماضين خلانا وأصدقاء، قد أصفاهم الود، وأخلص لهم الحب؛ وأن اختلفت الدار، وبعد المزار؛ لقد أدرك صاحبي أن الموت حق والحياة باطل.

تكاءدت الهموم هذا الفيلسوف يوما، فخرج من منزله، وقد طفلت الشمس للغروب، فما زال يتخير الأمكنة والبقاء؛ حتى آوى إلى صخرة قد استقبلت بحرا خضما، واستدبرت مرجا معشوشبا مدهاماً؛ وفي شرقيها المدينة هائجة مائجة؛ صاخبة داوية؛ وفي غربيها قصر عتيق مثلم الجنبات متداعي الأركان.

فأخذ الفيلسوف مجلسه من ذلك المنظر الفخم؛ وجعل تارة يسرح الطرف في البحر الواسع؛ فتطير شعاعا فوق صفحته أشجانه؛ وتذوب في هدير أمواجه آهاته وأحزانه، وتارة ينثني نحو المرج يداعب منثور زهره؛ ويتسمع سجع طيره، وأخرى يلتفت إلى القصر يسأله أخبار من نزلوه ثم ارتحلوا عنه، وكانوا أحاديث. حتى إذا ما ارتوى الفيلسوف من نسيم البحر؛ وعبير الزهر، وحديث القصر؛ تناول هراوته، وزر معطفه، وعاد يؤم المدينة متثاقل الخطى، مرددا قول الشاعر:

أن الطبيعة أم نستجير بها ... من جانب للبرايا غير مأمون!

<<  <  ج:
ص:  >  >>