للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

الاشتغال به في ذاته انصراف عن الحرام، ولو كان الدافع إليه قضاء المتعة واللذة والشهوة البشرية.

رَابِعًا: يقول الله تعالى: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} (١١٤). والمباح يدخل في هذا التعميم، ولا فائدة من وجوده إلا أن يثاب عليه إن شاء الله.

خَامِسًا: يقول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (١١٥). وفي رواية «إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً فِيهَا أَجْرٌ».

قال الحافظ ابن حجر: [قَالَ بن أَبِي جَمْرَةَ]: «يَدْخُلُ الغَارِسُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ إِنْسَانٌ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ وَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِقَدْرِ المُؤْمِنِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ عَيْنًا».

قَالَ الطِّيبِيُّ: «أَنَّ أَيَّ مُسْلِمٍ [كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا] يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ مِنَ المُبَاحِ يَنْتَفِعُ بِمَا عَمِلَهُ أَيُّ حَيَوَانٍ كَانَ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ [وَفِيهِ]» (١١٦). وهذا دليل على أن كل مباح يفعله المسلم وينتفع به هو أو غيره مثاب عليه إن شاء الله.

سَادِسًا: إذا دعونا أُنَاسًا لطعامنا فأجابوا دعوتنا، وأكلوا طعامنا فرحنا بهم وسررنا وأحسنا وفادتهم ولقاءهم وشكرناهم، فكيف بالكريم الذي لا يقطع فيض كرمه وعطائه عمن عصاه وهو يبارزه بالمخالفة، يعطيه العافية والصحة والستر والرزق، وهو في حال ارتكابه الكبيرة، ويفتح له باب التوبة بعدها، ويفرح به حين يرجع إليه، ويبدل سيئاته حسنات، كيف يظن به أن يرجع من يجلس على مائدة رزقه المباح صفر اليدين؟ وهو الذي يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ والمباح نعمة منه يظهر أثرها على من ينعم بها؟.

أمام هذه الأدلة تطمئن نفسي إلى أن أفعل المباح طاعة يثاب عليه كَرَمًا وَإِحْسَانًا، وحسبي أنني أحسن الظن في الله الكريم، الذي يقول في الحديث القُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (١١٧).

وإذا كان فعل المباح طاعة فهو شرع الله، لأنه لا ثواب إلا على شرع الله.

التَفْرِيطُُ وَالإِفْرَاطُ وَالضَّعْفُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا وَمَقَاصِدِهَا:

ثلاثة أمراض ابتلي بها المسلمون فَصَارُوا شِيَعًا وَأَحْزَابًا، كل حزب بما لديهم فرحون.


(١١٤) [سورة الكهف، الآية: ٤٩].
(١١٥) أخرجه " البخاري ": - كتاب الحرث والزراعة - باب فضل الزرع والغرس. وملحق الرواية لمسلم.
(١١٦) انظر " فتح الباري ": ٥/ ٦.
(١١٧) أخرج " البخاري ": - كتاب التوحيد - باب {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} واللفظ لأحمد: ٢/ ٣٩١.

<<  <   >  >>