للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <  ص:  >  >>

قال شارح التجريد: وكيف يزعم من له أدنى مسكة أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم بذلوا مهجهم وذخائرهم وقتلوا أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإقامة شريعته وانقياد أمره واتباع طريقته أنهم خالفوه قبل أن يدفنوه مع وجود هذه النصوص القطعية الظاهرة الدالة على المراد؟ بل ههنا أمارات وروايات ربما يفيد باجتماعها القطع بعدم أمثال تلك النصوص وهي مما لم يثبت ممن يوثق به من المحدثين مع شدة محبتهم لأمير المؤمنين ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدين والدنيا. ولم ينقل في خطبه ورسائله ومفاخراته ومخاصماته وعند تأخره عن البيعة وجعل عمر الخلافة شورى بين ستة نفر ودخل علي في الشورى وقال عباس لعلي: امدد يدك ابايعك حتى يقول الناس هذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، فقال: لا تنازع أبا بكر وددت أني سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا ننازعه. وحاج معاوية ببيعة الناس له لا بنص من النبي - صلى الله عليه وسلم -. والظاهر أن النهي عن إيذاء فاطمة رضي الله عنها ليس على عمومه حتى يتناول أي إيذاء بأي وجه كان لأنها قد تأذت عن علي رضي الله عنهما في بعض الأوقات كما جاء في الأخبار. وأيضا قال النبي لبعض أزواجه: «لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لا يأتيني وأنا في ثوب أمرأة إلا عائشة» فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إيذاء عائشة إيذاء نفسه. ولا شك أنها تأذت من علي رضي الله عنه. وحينئذ نقول: الإيذاء المنهي عنه إنما هو الناشئ عن هوى النفس ووسوسة الشيطان، وأما الذي يحصل عن إظهار امر الحق على وفق القرآن والسنة فليس بممنوع ولا منهي عنه. ومعلوم أن سبب تأذي فاطمة من الصديق رضي الله عنهما منعه فدك عنها، وكان متمسكا في ذلك بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث ما تركناه صدقة» ولم يكن لهواه، فلا يكون داخلا في الوعيد. فإن قال قائل: لما كان الصديق رضي الله عنه متمسكا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فما وجه غضب فاطمة رضي الله عنها وتأذيها إذ يرجع حينئذ الأمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والعياذ بالله؟ قلنا: هذا الغضب والتأذي لم يكن بالاختيار ولا داخلا تحت القدرة ولا يتعلق النهي بأمثال ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

قال علماء ما وراء النهر: قد سمى الله تعالى الصديق صاحبا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه لا يكون قابلا للعن.

وأجابت الشيعة بأن المصاحبة قد تقع بين المسلم والكافر ويكون أحدهما صاحبا للآخر. قال الله تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره} (١) وقال يوسف: {يا صاحبي السجن} فسماهما صاحبيه وهما كافران، فمجرد الصحبة لا يكون دليلا على حسن العاقبة.


(١) الكهف: ٣٤

<<  <   >  >>