للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وأيضا اجتمعت الأمة على حقية خلافة أحد الثلاثة أبي بكر وعلي وعباس رضي الله عنهم ولم ينازعا أبا بكر رضي الله عنه بل بايعاه فانعقد الإجماع على خلافته إذ لو لم يكن على الحق لنازعاه كما نازع علي معاوية رضي الله عنهما ولم يبال بسفك الدماء مع إن الطلب إذ ذاك أشد وفي أول الأمر أسهل لقرب عهدهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وشدة رغبتهم في تنفيذ أحكامه، وأيضا طلب عباس من علي رضي الله عنهما البيعة فلم يقبلها والزبير وبنو هاشم معه فلو لم يكن الحق لأبي بكر رضي الله عنه لقبل، والإجماع كاف في ثبوت خلافة الصديق رضي الله عنه وإن لم يكن نص كما قال جمهور العلماء بل الإجماع أقوى من النصوص غير المتواترة إذ مدلوله قطعي ومدلولها ظني. ومع هذا فالنصوص قد وردت كما ذكره بعض المحققين. وإنما معنى قول الجمهور أنه لم ينقل لأحد نصا جليا، والإكراه والتقية إنما يحتملان لو لم يكن أهل ذلك العصر تابعين للحق ولا مبشرين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير القرون قرني» قال ابن الصلاح والمنذري: الصحابة كلهم عدول رضي الله عنهم. وقال ابن حزم: الصحابة رضي الله عنهم كلهم من أهل الجنة قطعا، قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} (١) والصحابة رضي الله عنهم هم المخاطبون فثبت لكل منهم الحسنى وهي الجنة. وقيد الإنفاق والقتال خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له فلا يخرج من لا يتصف بذلك منهم. أو نقول المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة وباعتبار العزم. وأيضا الإكراه والتقية يستلزمان نقص علي رضي الله عنه إذ في تسليمه الخلافة بالإكراه ترك العزيمة وفي التقية كتمان الحق وهو منهي عنه؛ ولما لم يكن الرجل من عامة المؤمنين راضيا بترك الأولى وبارتكاب المنهي عنه فأسد الله وزوج بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان من الشجاعة في الدرجة المعلومة أولى بأن لا يفعل ذلك. وهل القول بهما إلا كمال الجهل وفرط الضلالة فتخيلوا القدح مدحا والنقصان كمالا {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} (٢)


(١) الحديد: ١٠
(٢) فاطر: ٨

<<  <   >  >>