إِن السعيدَ من يموتُ جَمَلُه
يأكلُ لحماً ويَقِلُّ عمَلُه
ثم رئي بعد أيام، وقد ساءت حاله لفقد كد ذلك الجمل، وهو يقول:
من يشإِ الرحمنُ يُقَلِّلْ خيْرَه
ما وجد الموتُ بعيراً غيره
ومت صبر شيء من البهائم على عنت بني حواء، ما صبرته الإبل: أنضوها سيراً، وقروها في التنوفة سباعاً وطيراً. قال " أبو زبيد الطائي " يذكر مساحي حفر بها قبر:
لها صواهلُ في صُمِّ السِّلامِ كما ... صاح القَسِيَّاتُ في أَيدي الصياريف
كأَنهن بأَيدي القومِ في كَبَدٍ ... طيرٌ تعيفُ على جُنٍ مَزاحيفِ
وقال " ذو الرمة ":
ومثلُكِ أَو خيرٌ تركتُ رَذِيَّةً ... تُقَلِّب عينيها إِذا طار طائرُ
وأشنع من ذلك كله، ما ذكره " الفزاري جويرية بن أسماء " مفتخراً به، من أن ذئباً تعرض له في السفر فعقر له راحلته، وقال يتكثر بذلك:
ولقد أَلَمَّ بنا لنقريه ... بادِي الشقاء محارَفَ الكسبِ
يدعو الفنا إن نال عُلْقتَه ... من مَطْعَمٍ غِبّاً إِلى غِبِّ
وطوَى ثَميلتَه فأَلحقها ... بالصلبِ بعد لدونةِ الصلْب
يا ضلَّ سعيُكَ ما صنعتَ بما ... جمَّعت من شبٍّ إِلى دبِّ
فجَعلتَ صالحَ ما احترشتَ وما ... جمَّعت من نَهْبٍ إِلى نَهْبِ
وأَظَنَّهُ شغْبٌ يُدلُّ به ... فلقد مُنِيتَ بِغَايَةِ الشغْبِ
إِذ ليس غير مَنَاصلٍ نعصى بها ... ورحالِنا وركائبِ الركبِ
فاعمِدْ إِلى أَهل الوقير فإِنما ... يَخشى شَذاكَ مُقرقصُ الزَّرْبِ
أَحَسِبْتَنا ممن تُطيف به ... فاخترتَنا لِلأَمْنِ والخِصْبِ
وبغيرِ معرفةٍ ولا نَسَبٍ ... إِنَّا وشعبَكَ ليس من شعبِ
لما رأَى أَنْ ليس نافعُه ... جِدّاً، تهاوَن صادقَ الإِرْبِ
وأَلَحَّ إِلحاحاً بحاجتِه ... شكوى الضريكِ ومزجَرَ الكلب
ولَوى التكلُّحَ يشتكي سغَباً ... وأَنا ابنُ قاتلِ شدةِ السغبِ
فرأَيتُ أَن قد نِلتُه بأَذى ... من عَذْمِ مَثْلَبةٍ ومن سَبِّ
ورأَيتُ حقّاً أَن أُضَيِّفَه ... إِذ رامَ سَلْمِي واتقى حَرْبي
فرمقتُ مُعتاماً أزاوِلُها ... بمهنَّدٍ ذي رونقٍ عضْب
فعرضتُه في سَاقِ أَسمنِها ... فاحتاذ بين الحاذِ والكعب
فتركتُها لعيالِه جَزَراً ... عمداً، وعلَّق رحْلَها صحبي
فهذا أحق بمطيته من السري تعذيباً، ثم قراها بعد العنت ذيباً.
أليس في حكم الشرع أن راحتله أوجب عليه حقاً من السيد، كما أن مناسبه أوجب عليه حرمة من البعيد؟ ولو أنه ضيف إنسي، لعذر أنه جنسي.
وأما المثيرات الكوارب، فاستعملوهن ثم أكلوهن! وإنك لترى الحنتر من بني آدم يملك الصغير من أولاد النخة فيشفق عليه إشفاقه على الولد، حتى إذا أمكن أن يعمل عليه، أدناه للأرعوة والغبقة والعيان، فابتغى من رزق الله عليه ريع أرضه في كل الربوع. حتى إذا أسن وعلم أنه لم يبق عنده غناء في العمل، جمع له سفير الضرف والسروع.