للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  < 

إن وحدة السورة من حيث أشكالها وموضوعاتها وأفكارها تخضع ل- «سببية» تربط بين كل جزء من أجزاء السورة، بمعنى أن كل جزء من السورة يعد سبباً للاحقة ومسبباً عن سابقه، وهكذا. وهذه السببية تلحظ على أنماط متنوعة، منها:

١ - الإجمال والتفصيل: أي أن السورة تطرح موضوعاً مجملاً ثم ت-فصل الحديث عن خلال السورة بأكملها، ومثالها سورة (الواقعة) التي أجملت الثلاثة في البداية {وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} (١) . ثم فصلت الكلام على الأصناف الثلاثة طوال السورة كما هو واضح.

٢ - النمو: أي أن الموضوع المطروح في السورة يتطور ويت-نامى من مرحلة إلى اخرى كما يتنامى الكائن الحي في مراحل عمره، ومثاله: سورة يوسف في تنامي موضوعاتها وشخصياتها وأحداثها ... الخ، فرؤياه احد عشر كوكباً، والشمس والقمر تنامت في نهاية السورة إلى خضوع القوى المذكورة له، وهكذا.

٣ - التجانس: أي أن الموضوعات والأفكار التي تتناولها السورة يتجانس بعضها مع الآخر في خطوطه العامة. ومثالها سورة (الماعون) حيث طرحت موضوع (المكذب بالدين) وموضع (الساهي في صلاته) . ومع أن أحدهما غير الآخر إلاّ أنهما يتجانسان في جملة ظواهر مثل: البعد الاقتصادي والبعد العاطفي ونحوهما. فالمكذب بالدين لا يحض على طعام المسكين، والساهي في الصلاة يمنع الماعون. وكلاهما سلوك اقتصادي سلبي، وهكذا.

٤ - التمهيد: وقد عرضنا له في الشكل الفني الرابع من شكليات بناء السورة القرآنية.

من حيث الأدوات

ونعني بها العناصر التي تتألف منها السورة الكريمة، وهي: العناصر اللفظية والإيقاعية والصورية والقصصية.. الخ، حيث تترابط هذه العناصر فيما بينها من جانب، وفيما بينها وبين العنصر الفكري والموضوعي من جانب آخر. ومثاله سورة (القمر) ، حيث تحدثت عن قيام الساعة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} (٢) . ثم استخدمت العناصر الصورية والإيقاعية في إثارة هذا المفهوم، فجاءت القصص التي تتحدث عن الجزاء الدنيوي إرهاصاً لدلالة قيام الساعة، وجاءت الصور: (أعجاز نخل منقعر (٣) ، هشيم المحتضر، فطمسنا أعينهم) متواكبة مع شدة الجزاء، وجاء التلويح باليوم الآخر {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} ، رابطاً بين شدة الجزائين، وهو العنصر الإيقاعي متواكباً مع شدة الجزاء، حيث استخدمت حرف (السين) - وهو ذو علاقة بقيام الساعة - من حيث كونه حرف إستقبال - والآخرة حادث مقابل - كما جاءت أوصاف الجحيم متواكبة مع حرف السين (ذوقوا مس سقر) . وحيث جاء تكرار هذا الحرف في سائر أوصاف الساعة وأهوالها مثل: سقر، مس، يسجدون، مستطر ... وكلها تتواكب مع حرف الاستقبال (السين) .

إذن: جاءت العناصر القصصية والصورية والإيقاعية تتواشج فنياً مع موضوعات السورة وأفكارها، مما يكشف ذلك عن أحد أشكال الوحدة البنائية التي تنتظم عمارة السورة القرآنية الكريمة.

إن هذه المستويات من بناء السورة القرآنية الكريمة تنسحب على جزئيات السورة أيضاً، أي أن الآية الواحدة تحمل نفس الخصائص البنائية التي لحظناها، وإن الآيتين فصاعداً تحمل السمة ذاتها، وإن المقطع من السورة يحمل السمة ذاتها أيضاً، وأن القسم من السورة يحمل السمة ذاتها أيضاً، وأن السورة بأكملها تحمل السمة ذاتها.


(١) الواقعة: ٧ - ١٠.
(٢) القمر: ١.
(٣) القمر: ٢٠، ٣١، ٣٧، ٤٦، ٤٨.

<<  <