للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْعَصْرِ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ عَلَى قيراطين قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلا وَأَقَلُّ حَظًّا، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّ فضلي أوتيه من أشاء"١.


١ وقد روى البخاري من حديث أبي موسى -رضي الله عنه- في هذا المعنى، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا؛ ولكن الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. فاستجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم، حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما. فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور".
قال ابن حجر في شرح حديث أبي موسى ومقارنته بحديث ابن عمر:
هذا مغاير لحديث ابن عمر؛ لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار، وقد تقدم ذكر التوفيق بينهما في المواقيت، وأنهما حديثان سيقا في قصتين، نعم وقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في المواقيت الآتية في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى، فرجحها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار؛ لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعًا كانتا عند ابن عمر فحدث بهما في وقتين وجمع بينهما ابن التين باحتمال أن يكونوا غضبوا أولًا فقالوا ما قالوا إشارة إلى طلب الزيادة، فلما لم يعطوا قدرًا زائدًا تركوا فقالوا: لك ما عملنا باطل. انتهى.
وفيه مع بعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزهري في المواقيت وفي التوحيد؛ ففيها: "قالوا ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا". ففيه التصريح بأنهم أعطوا ذلك، إلا أن يحمل قولهم: "أعطيتنا" أي: أمرت لنا أو وعدتنا، ولا يستلزم ذلك أنهم أخذوه، ولا يخفى أن الجمع بكونهما قصتين أوضح.
وظاهر المثل الذي في حديث أبي موسى: أن الله تعالى قال لليهود آمنوا بي وبرسلي إلى يوم القيامة، فآمنوا بموسى إلى أن بعث عيسى فكفروا به، وذلك في قدر نصف المدة التي من مبعث موسى إلى قيام الساعة.
فقولهم: "لا حاجة لنا إلى أجرك" إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم، وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه؛ لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان.
وقولهم: "وما عملنا باطل" إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى؛ إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى، وكذلك القول في النصارى إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار.
وقوله: "ولكم الذي شرطت" زاد في رواية الإسماعيلي: "الذي شرطت لهؤلاء من الأجر" يعني: الذين قبلهم.
وقوله: "فإنما تبقى من النهار شيء يسير" أي: بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا.
وقوله: "واستكملوا أجر الفريقين" أي: بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة، وتضمن الحديث الإشارة إلى قصر المدة التي بقيت من الدنيا "فتح الباري ٤/ ٥٢٤".

<<  <   >  >>