للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

أشركوا به فعاقبهم أشد العقاب فلو كان يحب ذلك منهم لما عذبهم وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل وإلا فعندهم علم أنه لا حجة لهم على الله، فإن الله أمرهم ونهاهم ومكنهم من القيام بما كلفهم وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل.

هذا وكل أحد يعلم بالحس قدرة الإنسان على كل فعل يريده من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله وتكذيب الأمور العقلية والحسية"١.

وقال في موضع آخر: "وهي حجة باطلة في نفسها عقلاً وشرعاً. فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه.

وأما شرعاً فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله فإن الله تعالى قد أقام الحجة على العباد فلم يبق لأحد عليه حجة أصلاً"٢.

رابعا: بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة في القدر وتأييده له بالأدلة:

وكما بين ابن سعدي بطلان الأقوال المتقدمة في القضاء والقدر في أفعال العباد وبعدها عن الصواب وانحرافها عن الصراط المستقيم.

فقد بين أن القول الصواب في ذلك والحق الذي لا مرية فيه هو قول أهل السنة والجماعة؛ وذلك لتضافر أدلة الكتاب والسنة على صحته فبعد أن ذكر الأقوال السابقة وبين بطلانها قال:

"فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره منهم من نفاه ومنهم من غلا فيه غلواً أوقعه في الباطل.

وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ٣.

فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته في كل شيء، وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وقالوا إنها واقعة باختيارهم، ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره بل حجتهم داحضة باطلة، وقالوا إن مشيئة الله غير محبته


١ التفسير ٤/٢٠١.
٢ التفسير ٦/٦٣٩، وانظر أيضا التفسير ٢/٤٩٥ ففيه بيان لبطلان هذه الشبهة من سبعة أوجه.
٣ سورة البقرة/ الآية ٢١٣.

<<  <   >  >>