للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

[المسألة الثانية: مسألة طبية]

...

المسألة الثانية: هي الأمر الطبي في هذا الحديث:

قلت: في هذا الحديث أمران من أعلام النبوة لم يكتشفهما المتقدمون من المسلمين وإنما اكتشفتا في العصر الحاضر.

الأولى: أن في الذباب داء لأمراض معينة ينقلها إلى الناس ممن كان عنده الاستعداد وبتقدير من الله تعالى وقضائه انتقل إليه ومن لا فلا.

الثانية: أن في الذباب دواء لتلك الأمراض التي يحمل أصولها، فإذا أتى الدواء الذي يحمله الذباب على الداء الذي يحمله قضى عليه بإذن الله ولم يصب الإنسان بأذى ما يحمل من الداء.

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بهاتين المعجزتين قبل أن يكشف المجهر الذي يكبر ملايين المرات، ولا يعرف هذا إلا من مشكاة النبوة.

وإذا كان الطب الحديث قد أجمع على المسألة الأولى، وهي حمل الذباب الجراثيم، فإنه بدأ يسلم في المسألة الثانية أيضا، وإن كان لا يزال بعض المغرورين بالمادة لم يصدقوا ويسلموا بهذا الحديث، والحامل لهم - والعلم عند الله - الحقد والضغينة أن يسبق الإسلام العلم الحديث بأخبار علمية، باكتشافات حديثة، وكل هذا جهل والعياذ بالله.

قال الإمام الخطابي: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال وكيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه؟ حتى يقدم جناح الداء ويؤخر جناح الشفاء وما ألجأه إلى ذلك؟.

قال الخطابي: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيرا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة وقد ألف الله بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وأن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها لأوان حاجتها، وأن تكسر الحبة بصفين لئلا تستنبت. لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحا وتؤخر آخر.

وقال ابن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسّل من أعلاها، وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر.

<<  <   >  >>