للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

رسالة تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهات

لبعض علماء نجد الأعلام

معنى قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

بسم الله الرحمن الر حيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان لعبادته، وشرفه بخطابه ورسالته، وأمره ونهاه، وألهمه فجوره وتقواه، لما أراده منه وقدره عليه؛ ليكون مصيره ومنتهاه إليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

"أما بعد":

فقد قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ١ أي: إن الله –سبحانه- غني كريم عزيز حكيم، فهو محسن إلى عبده مع غنائه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا، فهو –سبحانه- لم يخلق خلقه ليستكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه، بل ما خلقهم "إلا ليعبدوه" حق عبادته.

وأما العباد فإنهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته وانتفاعه به عاجلا أو آجلا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه، فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول ذلك الإحسان إليه، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل فهو محتاج إلى ذلك الجزاء معاوضا بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى غيره، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو –أيضا- محسن إلى نفسه بذلك كما قال –تعالى-: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ} ٢ وقال –تعالى-: {مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ٣ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه عزوجل "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن


١ سورة الذاريات آية: ٥٦، ٥٨.
٢ سورة الإسراء آية: ٧.
٣ سورة البقرة آية: ٢٧٢.

<<  <   >  >>