للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ظهر بالمدينة دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر، فظهرت نار عظيمة في الحرة قريبًا من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شطا سيل الماء، وطلعنا نبصرها، فإذا الجبال تسيل نارًا، وسارت هكذا وهكذا بين نيران كأنها الجبال، وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوؤها من مكة ومن الفلاة جميعها، واجتمع الناس كلهم إلى القبر الشريف مستغفرين تائبين، واستمرت هكذا أكثر من شهر.

قال الذهبي: أمر هذه النار متواتر، وهي مما أخبر به المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" ١، وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.

وفي سنة خمس وخمسين وستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر، قتلته زوجته شجرة الدر، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا، والتتار جائلون في البلاد، وشرهم متزايد، ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية ونقلها إلى العلوية، والرسل في السر بينه وبين التتار، والمستعصم تائه في لذاته، لا يطلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة.

وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدًّا، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهادنهم ويرضيهم، فلما استخلف المستعصم كان خليًّا من الرأي والتدبير، فأشار إليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل به المقصود، ففعل ذلك.

ثم إن الوزير كاتب التتار، وأطمعهم في البلاد، وسهل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد.

شرح حال التتار ملخصًا

قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض.

وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند، لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين مكة أربعة أشهر، وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه واسعوا الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعوا الحركة في الجسم والرأي، تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم؛ لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه، فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم


١ أخرجه البخاري "٧١١٨/١٣"، ومسلم "٢٩٠٢/٤".

<<  <   >  >>