للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

واعلم بعد هذا التحليل!

ان مجموع هذه الآية الى (ولهم عذاب عظيم) سيقت: مشيرةً بعقودها الى تقبيح الكفر وترذيله، والتنفير منه والنهي الضمني عنه، وتذليل أهله، والتسجيل عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. منادية ١ بكلماتها بأن في الكفر مصائب عظيمة، وفوات نِعَم جسيمة، وتولد آلام شديدة، وزوال لذائذ عالية.. مصرحةً بجملها بأن الكفر أخبث الاشياء وأضرها.

اذ أشار بلفظ (كفروا) بدل "لم يؤمنوا" الى انهم بعدم الايمان وقعوا في ظلمة الكفر الذي هو مصيبة تفسد جوهر الروح وايضا هو معدن الآلام.

وبلفظ (لايؤمنون) بدل "لايتركون الكفر" الى انهم مع تلك الخسارة سقط من ايديهم الايمان الذي هو منبع جميع السعادات.

وبلفظ (ختم الله على قلوبهم) الى ان القلب والوجدان - الذي حياته وفرحه وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الالهية بنور الايمان - بعدما كفروا صار كالبناء الموحش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فاُقْفِل واُمْهِر ٢ على بابه ليُجتَنب، وتُرك مفوضاً للعقارب والافاعي.

وبلفظ (وعلى سمعهم) الى فوات نعمة عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ اذ السمع من شأنه - اذا استقر خلف صماخه نورُ الايمان واستند اليه - الاحتساس بنداء كل العالم وفهم اذكارها، وسمع صياح الكائنات وتفهم تسبيحاتها.. حتى ان السمعَ ليسمعُ من ترنمات هبوب الريح، ومن نعرات رعد الغيم، ومن نغمات امواج البحر، ومن صرخات دقدقة الحجر، ومن هزجات نزول المطر، ومن سجعات غناء الطير كلاماً ربانياً، ويفهم تسبيحا علويا، كأن الكائنات موسيقية عظيمة له، تهيّج في قلبه حزناً علوياً وعشقاً روحانياً فيحزن بتذكر الأحباب والانيس فيكون الحزن لذة؛ لا بعدم الاحباب فيكون غماً.. واذا اظلم ذلك السمع بالكفر صار اصم من تلك الاصوات اللذيذة، ولايسمع من الكائنات إلا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا يلقي


١ بالنصب، عطف على قوله: مشيرةً. وكذا مصرحة.
٢ اى ختم على بابه. والمهر- بالضم - هو الختم الذى يطبع ويوقع به. والكلمة اعجمية استعملها تفنناً. وله من الحسن مقام (ش)

<<  <   >  >>