للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثم إن اختيار كلمة (مرء) أنسب من كلمة (رجل) أيضاً ذلك أن (المرء) يشمل الصغار والكبار فهي أعم من كلمة (رجل) التي تشمل الكبار من هذا الجنس في حين أن مشهد الفرار ينتظم الثقلين أجمعين.

فانظر كيف اختار كلمة (مرء) بدل (إنسان) و (رجل) لاعتبارات متعددة. فهي أعني (المرء) تعني الإنسان، وتعني الرجل، ثم هي لا تخص رجال الإنس، بل تَعمُّهم وتَعمُّ رجالَ الجن، ولا تختص الكبار بل تشمل الكبار والصغار.

فانظر كيف اختار أوفقَ كلمةٍ وأنسبها لهذا المقام.

وثمة لمسة فنية أخرى، وهي وضع كل مشهد في السورة المناسبة له. فقد وضع مشهد الفرار في السورة التي تبدأ بـ {عَبَسَ وتولى} . والتولّي نوع من أنواع الفرار من الشيء والانصراف عنه. والعبوس أيضاً هو نوع من أنواع الفرار النفسي من الشيء بعكس الألفة والانشراح له.

والتلهِّي عن الشيء، هو الفرار منه بصورة ما، أعني ما ورد في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى * وَهُوَ يخشى * فَأَنتَ عَنْهُ تلهى} .

فوضعُ مشهدِ الفرار الأكبر في الآخرة في (عبس) مناسبٌ لجو السورة أيَّما مناسبة.

ووضعُ مشهد العذاب الأكبر الذي ذكره بقوله: {كَلاَّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى} في سورة المعارج التي تبدأ بقوله: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أنسبُ شيء وأحسنه.

فوضعَ مشهدَ العذاب في السورة التي تبدأُ بالعذاب.

ووضعَ مشهدَ الفرار في السورة التي تبدأ بنوعٍ من أنواع الفرار.

فما أحسنَ التناسب والاختيار في الموطنين!

<<  <   >  >>