للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إليَّ صلاحُكم، عزيز عليَّ عَنَتُكم، وأنتم أناسٌ عامتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله -عز وجل- قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله١.

كانت قوة عمر ممنوحة من الله، لذلك لم تكن لتغير القوة من خلقه شيئًا، فهو امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إن بدرت منه قوة فهي من تأييد الله، وأما العظمة فهي لله وحده، ثم إن الحق قد بين الله حدوده، وأما عمر فسيأخذ الناس بهذه الحدود، وما على الناس إلا أن يلتزموا بها، ومن هنا نرى حرص عمر على صلاح رعيته أشد الحرص، وتمسكه بالعدل أشد التمسك، ونراه صارمًا ليس بينه وبين أحد هوادة، يعالج أمور رعاياه كلها بنفسه لا يَكِلُ شيئا منها إن بعد عنه إلا إلى من عرف فيه الأمانة والنصح، وتتضح هنا معني الحق التي بلورتها سيرة عمر وأخلاقه على نحو فريد، فعمر رجل من الناس قريب منهم يستمع إلى حاجاتهم، ويعينهم على أمورهم، ليس بينهم وبينه حجاب، لم يغير الحكم من خلقه شيئا، يعطي الحق من نفسه قبل أن يأمر الناس أن يعطوا الحق من أنفسهم.


١ تاريخ الطبرى جـ٤ ص ٢١٥.

<<  <   >  >>