للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

المبحث الثاني تحريم إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شرعا لجلب المصالح ودرء المفاسد.

ولهذا فإنهما داخلان تحت قاعدة جليلة مشهورة، تدور عليها جميع أحكام الشريعة، ألا وهي قاعدة "المصالح والمفاسد". (١)

فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يفوّت مصلحة أكبر من مصلحة القيام بهما، أو يجلب مفسدة أكبر من مفسدة تركهما، كان الأمر والنهي في هذه الحال حرامًا، لأنه يناقض الحكمة التي شرعا من أجلها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أعظم الواجبات أو المستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمّ الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفُعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم". (٢)


(١) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه «القواعد والأصول الجامعة» ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته ٤ / ٢٢: «القاعدة الأولى: الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة» ثم قال: «هذا الأصل شامل لجميع الشريعة، لا يشذ عنه شيء من أحكامها، لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع، وما تعلق بحقوق الله أو حقوق عباده» ثم فصل ذلك، وقد ألف في ذلك الإمام الهمام عز الدين ابن عبد السلام كتابًا نفيسًا، أسماه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» ، ومما جاء فيه قوله في ١ / ٨٣-٨٤: «إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك. وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد، فقد يُتخير بينهما، وقد يُتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد» ، ثم أخذ يضرب الأمثلة على ذلك، وللإمام ابن القيم كلام نفيس حول هذه القاعدة، في «مفتاح دار السعادة» ٢ / ١٤-٢٤، ولعلي ابن أحمد الندوي كلام جيد عنها في «القواعد الفقهية» ، ص: ٢٧٦-٢٨٠.
(٢) الاستقامة ٢ / ٢١١، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص: ٣٨-٣٩.

<<  <   >  >>