للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط. أحدها: أن يكون قرشياً من الصميم. وهو من يكون من ولد قريش بن بدر بن النضر دليل بني كنانة، وقد قال أحمد في رواية مهنا: " لا يكون من غير قريش خليفة". والثاني: أن يكون عل صفة من يصلح أن يكون قاضياً: من الحرية والبلوغ والعقل، والعلم، والعدالة. والثالث: أن يكون قيماً بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك، والذب عن الأمة. الرابع: أن يكون من أفضلهم في العلم والدين، وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال - في رواية عبدوس بن مالك القطان - " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين ". وقال أيضاً في رواية المروزي " فإن كان أميراً يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه، وقد روى عنه في كتاب المحسنة: أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين في غير موضع. وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه. وقد روى عنه ما يعارض هذا؛ فقال في رواية حنبل " وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة؟ " يعني الذي كان أحدث قبل المتوكل فأحيا المتوكل السنة. وقال فيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي رحمه الله " حدثنا أبو الفتح بن منيع قال " سمعت جدي يقول: كان أحمد إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون".

وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها " السلطان" فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة. فقال " أنا لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت السلطان". وهذا الكلام يقتضي الذم لهم والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم، ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية عبدوس وغيره، على أنه إذا كان هناك عارض يمنع من نصبة العدل العالم الفاضل وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم وكلمتهم عليه أجمع، وفي العدول عنهم يكثر الهرج. وإذا وجدت هذه الصفات حالة العقد ثم عدمت بعد العقد نظرت، فإن كان جرحاً في عدالته وهو الفسق؛ فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقاً بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعاً لشهوته، أو كان متعلقاً بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق. وهذا ظاهر كلامه في رواية المروزي في الأمير يشرب المسكر ويغل، يغزي معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن.

<<  <   >  >>