للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

لننظر مثلا في هذا النص الذي نقلناه عن العلاّمة الحنفي ابن نجيم المصري يقول في كتابه البحر الرائق: "إعلم أنه قد ظهر من كلام المصنف أنّ طرق القضاء ثلاثة: بيّنة، وإقرار، ويمين ونكول عليه, أو القسامة أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به ... قال ابن الغرس -ولم أره حتى الآن لغيره-: "أو القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به "، قال الخير الرملي-أي عن قول ابن الغرس في القرائن-: "هذا غريب خارج عن الجادة فلا ينبغي التعويل عليه ما لم يعضده نقل من كتاب معتمد"١.

هذا النص يبيّن لنا اختلاف فقهاء المذهب الحنفي في الاحتجاج بالقرينة، ولكن عند التحقيق نجد أن فقهاء المذهب الحنفي قد اتفقوا على الاعتداد بالقرائن في بعض المواضع، ولذا فإننا نقول إنه لا يخلو مذهب من هذه المذاهب من الاحتجاج بالقرينة, ولكن هذا الاحتجاج يختلف من مذهب لآخر، فبينما يتسع مداه عند فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ليشمل إعمال القرائن في الحدود والقصاص، يضيق لدى فقهاء الشافعية والظاهرية الذي اقتصدوا في الاحتجاج بها ولم يأخذوا بها إلا حيث بلغت من القوة مبلغ اليقين وأصبح عدم الأخذ بها يخالف بداهة العقول أو يخالف النص الصريح.

ونبرهن على صحة هذا القول بعرض موجز لبعض القرائن التي تحدث عنها الفقهاء، وسأكتفي بسرد موجز لآرائهم, مشيرا إلى المواطن التي اعتمدت عليها في النقل عنهم حتى يتمكّن من يريد الاستزادة في هذا الخصوص من الرجوع إلى هذه المصادر.

أـ قرينة الحيازة ودلالتها على الملك:

والحيازة هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه٢. ولا فرق بين الحيازة ووضع اليد عند فقهاء الشريعة إذ المقصود هو الاستيلاء على الشيء بصورة مختلفة, فإذا وضع شخص يده على دار أو أرض تصير تلك الدار أو الأرض في حيازته، وترتب على ذلك حماية تلك الحيازة واحترامها، وعُدَّ ذلك المال المحاز من أملاكه وذلك بناء على أمرين هامين:

الأول: القاعدة الفقهية التي تقضى بأن "الأصل في الإنسان البراءة" وأنّ الناس محمولون على السلامة، فما لم يثبت أن الشخص مقيَّد أو غاصب فالأصل أنه بريء.


١ البحر الرائق ٧/ ٢٠٥ وانظر بهامشه منحة الخالق وكذلك رسائل ابن عابدين ٢/١٢٨.
٢ الشرح الكبير للدرديري بهامش حاشية الدسوقي ٤/٢٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>