للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

القبلية، وفيها الاستشراف للأبعاد الإنسانية والإسلامية، ولاهجا بدعوة سليمة أو فكرة صالحة، كأن ينبه قتيبة ابن مسلم على وجوب الاحتراس من كل القبائل، حتى من قبيلته، أو كان يتحلل من النعرة القبلية، وينبذ المفاخرة الجاهلية.

ومع ذلك كله فإنه كان لا يخفي انحيازه لقومه، وإنما كان يظهره ويهتف به. والذي يبدو لنا أنه كان يتمثل المسائل الإنسانية والإسلامية تمثلا نظريا سلبيا، لا تمثلا عمليا إيجابيا، وأنه كان يستوحيها في القول لا في الفعل. وهو في آخر المطاف جانب من جوانب سلوكه إلا الاتجاه القبلي.

وهو يصور دون ريب حقيقة بكر وواقعها، وما كان ينتابها من القلق والتخبط والتمرد على وضعها في العصر الأموي، وما أداها إليه الحنق والنقمة على الحكام الأمويين من معاداة مكشوفة لهم، وممالأة مقصودة للخارجين عليهم، سواء كانوا من الأزارقة أو العلويين١. ويوضح ما ساقها إليه الحقد والحسد للقبائل المضرية من محالفة للأزد في البصرة وخراسان لتتقوى بهم عليها، لعلها تتعلق بسبب من أسباب السلطة عن طريقهم، أو تنجح في وقت من الأوقات في إخضاع المضرية، ورغباتها السياسية الخفية في تحديها لعبد الله بن خازم وتميم بهراة، فقد أبت أن تجنح للسلم والموادعة إلا إذا غادر كل المضرية جميع خراسان٢! ويكشف كذلك عن تقلبها وتذبذبها في مواقفها من حلفائها من الأزد وأهل اليمن، لما كان يعتريها من اضطراب نفسي، لعجزها عن إدراك مطامحها القبلية في السيادة، وتقصيرها عن بلوغ مراميها السياسية في السلطة.

ولو سلم ديوانه من الضياع، لأمكن أن نستبين شخصيته استبانة أعمق وأشمل، ولأمكن أن نجلو حقيقة قبيلته جلاء أدق وأكمل، لأنه كان أكبر شعراء بكر بخراسان٣.


١ الطبري ٦: ٣٣١٢، ٣٣١٦، وخزانة الأدب ١: ٩٠.
٢ الطبري ٧: ٤٩٣.
٣ الشعر والشعراء ١: ٥٣٧، وخزانة الأدب ١: ٩٠.

<<  <   >  >>