للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المُصَدِّقينَ والمُصَدِّقاتِ} بتخفيف الصاد، من التصديق لا من الصدقة كما في قراءة الجمهور، أي: الذين صدقوا واللاتي صدقن الله (تعالى) ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال: وقراءة الجمهور أنسب لقوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً}، وقراءة ابن كثير أرجح؛ لأن الإقراض يغني عن ذكر التصدق".

قال الفراء: " قرأها عاصم: "إنّ المصدّقين والمصدّقات" بالتخفيف للصاد، يريد: الذين صدّقوا الله ورسوله، وقرأها آخرون: "إن المصّدّقين" يريدون: المتصدقين بالتشديد، وهي في قراءة أبيّ: "إن المتصدقين والمتصدقات" بتاء ظاهرة، فهذه قوة لمن قرأ: "إن المصّدّقين" بالتشديد" (١).

وقال السمين: " قوله: "الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ": خَفَّفَ الصاد منها ابنُ كثير وأبو بكر، وثَقَّلها باقي السبعة. فقراءةُ ابنِ كثيرٍ من التصديق، أي: صَدَّقوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به كقولِه تعالى: "وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ "، وقراءةُ الباقين من الصدقة وهو مناسِبٌ لقولِه "وأَقْرَضوا" والأصل: المُتَصَدٍِّقين والمتُصدِّقات فَأَدْغَمَ، وبها قرأ أُبَيٌ. وقد يُرَجَّحُ الأولُ. بأنَّ الإِقراضَ مُغْنٍ عن ذِكْرِ الصدقة" (٢).

وقال أبو زرعة: " قرأ ابن كثير وأبو بكر: إن المصدقين والمصدقات" بتخفيف الصاد فيهما أي المؤمنين والمؤمنات الذين صدقوا الله ورسوله. وقرأ الباقون: "إن المصدقين والمصدقات" بتشديد الصاد فيهما، أرادوا المتصدقين والمتصدقات فأدغموا التاء في الصاد، وحجتهم أن في حرف أبي: "إن المتصدقين والمتصدقات" بتاء ظاهرة فهي حجة لمن قرأ بالتشديد، وأخرى وهي في قوله: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} وذلك أن القرض هو أشبه بالصدقة من التصديق. وحجة من خفف هي أن التخفيف في قوله: "المصدقين" أعم من التشديد، ألا ترى أن "المصدقين" بالتشديد مقصورة على الصدقة، و"المصدقين" بالتخفيف يعم التصديق والصدقة؛ لأن الصدقة من الإيمان فهو أوجب في باب المدح" (٣).

(مُعَجِّزِينَ) (٤) قراءة في: {والّذينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزين} (٥).

[التاج: عجز].

معاجزين جمع معاجز من عاجز. وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الحرف من القرآن؛ لأن معناه الظاهر أن الكفار يتحدون الله تعالى؛ لأن صيغة (فاعل) من أشهر معانيها المشاركة؛ لذلك رُفِضَ هذا المعنى؛ لأنه لا يليق بالله - عز وجل -، ومن هنا اجتهد المفسرون ليصلوا إلى قول يصح معه المعنى كما يلي (٦):

١ - قال ابنُ عرفَةَ: "يُعاجِزون الأَنبياءَ وأَولياءَهم، أَي يقاتلونَهم ويُمانِعونَهُم؛ لِيُصَيِّروهُم إلى العَجْز عن أَمر اللهُ تعالى، وليس يُعجِزُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه خَلْقٌ في السَّماء ولا في الأَرض، ولا مَلجأَ منه إلاّ إليه ".

٢ - قال الزَّجّاج: {مُعَاجِزِينَ} (٧): مُعانِدين.

٣ - وقيل: مُسابقين من: عاجَزَه إذا سابقَه.

وقُرِئ {مُعَجِّزِينَ} بالتَّشديد، جمع مُعَجِّز من (عَجَّزَ)، والمعنى: مُثَبِّطين ... وقيل: يَنْسبون مَنْ تَبِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى العَجْز، نحو: جَهَّلْتُه، وسَفَّهْتُه.

قال أبو شامة:" معنى (معجزين) ينسبون من تبع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العجز، وقيل مثبطين الناس عنه، وقيل معناه يطلبون تعجيزنا، وفي المد معنى أنهم يسابق بعضهم بعضا في التعجيز واختار أبو عبيد قراءة المد ورواها عن ابن عباس، وقال معناها مُشَاقِّينَ، وقال أبو علي: (معاجزين) ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور فيكون ثواب وعقاب" (٨).

قال أبو زرعة: " قرأ ابن كثير وأبو عمرو "معجزين" بغير ألف أي ينسبون من تبع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العجز، وهذا كقولهم: جهلته نسبته إلى الجهل، وفسقته نسبته إلى الفسق. وقال مجاهد: معجزين أي مثبطين ومبطئين أي يثبطون الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أتباع الحق. وقرأ الباقون "معاجزين" بالألف أي ظانين أنهم


(١) معاني القرآن: ٣/ ١٣٥.
(٢) الدر المصون: ١٣/ ٣٣٣.
(٣) الحجة: ٧٠١.
(٤) ابن كثير وأبو عمرو، انظر: جامع البيان للطبري: ١٨/ ٦٦٢، والكشاف: ٣/ ٥٦٨، ومعالم التنزيل: ٥/ ٣٩٢، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٣٤، والبحر المحيط: ٦/ ٣٧٠، وروح =المعاني للألوسي: ٢/ ٥١ والتحرير والتنوير لابن عاشور: ٩/ ٢٩٢، والنشر للجزري: ٢/ ٣٦٧.
(٥) الحج: ٥١، وسبأ: ٥، ٣٨.
(٦) انظر هذه الوجوه: جامع البيان للطبري: ١٨/ ٦٦٢، والكشاف: ٣/ ٥٦٨، ومعالم التنزيل: ٥/ ٣٩٢، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٣٤، والبحر المحيط: ٦/ ٣٧٠، وروح المعاني للألوسي: ٢/ ٥١.
(٧) هي قراءة الجمهور، انظر: معاني الفراء: ٣/ ١٨٥، والسبعة لابن مجاهد: ٤٣٩، وإعراب النحاس: ٤/ ٤٢٤، والحجة لابن زنجلة: ١/ ٤٨١، والإتحاف للبنا: ٥٦٤.
(٨) إبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة: ٢/ ٣٠٣.

<<  <   >  >>