للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذان الحديثان صحيحان ثابتان في دواوين الإسلام، فلم يربح هذا المتشكك من فعله لهذه الصلاة المشكوكة إلا بوقوعه في ما نهى عنه رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: ونفاه وأبطل حكمه وبيينه للناس بيانًا أوضح من شمس النهار. ولا يصح الاستدلال على جواز صلاة الشك والوسوسة هذه بما وقع في الحديث الصحيح للرجلين الذين صليا بالتيمم، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وقال للآخر: «لك الأجر مرتين» (١)، لأن هذا الذي أعاد لم يكن عنده علم بعدم جواز الإعادة، وقصد خيرًا وكرر عبادة في [ ... ] (٢) جاهلًا بأن حكم الشرع في ذلك عدم جواز الإعادة فقال له ما قال، وأرشده إرشادًا في غاية الوضوح، يفهمه كل [

] (٣) وبين له أن فعله هذا خلاف ما شرعه الله لعباده وهو عدم الإعادة، وذلك حيث قال لصاحبه: «أصبت السنة» أي أصبت الطريقة التي شرعها الله لعباده، وظفرت بما هو حكم الله في هذه الصلاة، وفيه دلالة على أن صاحبه الذي أعاد بسبب الإعادة غير مصيب للسنة، ولا موافق لها، ولا عامل بحكمه [٩أ].

والحاصل أن هذه المقالة النبوية، والعبارة المحمدية قد دلت أن ذلك الذي أعاد الصلاة مبتدع لا متبع، ومخالف للسنة لا موافق لها، ولكنه لما لم يكن ابتداعه عن قصد لعدم علمه بما شرعه الله لعباد في مثل هذه الصلاة التي صلاها بالتيمم، ثم وجد الماء قال له النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ما قال، وليس المراد بالسنة هاهنا ما هو المصطلح عليه عند أهل الأصول، وأهل الفروع، من كونها ما يمدح فاعله، ولا يذم تاركه، فتكون عندهم محتملة بما ليس بواجب، وهو ما يمدح فاعله، ويذم تاركه، فإن هذا


(١) تقدم تخريجه.
(٢) كلمة غير واضحة في المخطوط.
(٣) كلمة غير واضحة في المخطوط.