للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذه شعبة من شعب التأويل (١)، تخالف مذاهب السلف، وتباين ما كان


(١) كذا قال رحمه الله، وليس هذا الصواب، بل السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم الذين فسروا هذه المعية بمعية العلم والاطلاع، ولعل الشوكاني لم يقف على أقاويل السلف في هذه الآيات عند تحرير الجواب؛ لأننا نجده في تفسير "فتح القدير" قد فسرها على مذهب السلف.
فقال: (٥/ ١٦٦): (وهو معكم أين ما كنتم) أي: بقدرته وسلطانه وعلمه، وقال أيضًا (٥/ ١٨٧): ومعنى (أينما كنتم) إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم، في أي مكان من الأمكنة.
قال الآجري في " الشريعة " ص ٢٨٨: فإن قال القائل: فأيش معنى قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) [المجادلة: ٧] التي بها يحتجون؟
قيل له: علمه عز وجل والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلفه، كذا فسره أهل العلم. والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم.
انظر " مختصر العلو " (ص ١٣٨ - ١٣٩) رقم (١٢٤، ١٢٥، ١٢٦).
وذكر ابن رجب في شرح "الحديث التاسع والعشرين" من الأربعين النووية: أن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة.
قال تعالى: (لا تحزن إن الله معنا) [التوبة: ٤٠].
قال تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [النحل: ١٢٨]. وأن المعية العامة تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم ".
وقال ابن كثير في تفسير آية المعية في: سورة المجادلة (٨/ ٤٢) ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه المعية معية علمه ".
قال: " ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء ". ا هـ.
قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص ١١٥): "وليس معنى قوله: (وهو معكم) [الحديد: ٤] أنه مختلط بالحق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان". اهـ.
ولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إلا "الحلولية" من قدماء "الجهمية" وغيرهم الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
خلاصة القضية:
١ - ): معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
٢ - ): هذه المعية حق على حقيقتها لكنها معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق.
٣ - ): هذه المعية تقتضي الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا.
٤ - ): هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم.
٥ - ): هذه المعية لا تناقض ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه.
وقد تقدم توضيح ذلك وشرحه.
وانظر الفتوى الحموية (ص ١٠٧ - ١٢٠) والعقيدة الواسطية (ص ١١٥) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم في المثال التاسع (ص ٤٠٩) مختصر العلو (ص ١٣٨ - ١٣٩).