للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وهذا النوع من الأصول لا يخرج كتابا محققًا، وإنما يستعان به في تحقيق النص.

وقد تهدى بعض الأدباء١ إلى نصوص من كتاب العثمانية للجاحظ ونشرها مع الرد عليها لأبي جعفر الإسكافي، نقل ذلك كله من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. وكنت أحسب أن النصوص تمثل على الأقل نموذجا من الأصل، ولكن عندما وقعت إلى نسخة العثمانية المخطوطة تيقنت أن ما فعله ابن أبي الحديد لا يعدو أن يكون إيجازا مخلا لنص الجاحظ بلغ أن أوجزت صفحتان منه في نحو ستة أسطر "أسطر مثلا الفقرة السادسة من كلام الجاحظ في العثمانية ص٦ من رسائل الجاحظ للسندوبي وقارنها بما في نشرتي للعثمانية ٢٧: ٤-٣١: ٥".

وكذلك كان يفعل الأقدمون، ينقلون النصوص أحيانا وتكون لهم الحرية التامة في التصرف فيها وترجمتها بلغتهم أيضا إلا إذا حققوا النقل ونصوا على أن هذا هو لفظ المنقول، فيقولون مثلا: "انتهى بنصه"، فتكون مسئوليتهم في ذلك خطيرة، إذ حملوا أنفسهم أمانة النقل.

فنشر أمثال هذه النصوص ودعوى أنها محققة، بعد خطأ جسيما في فن التحقيق وفي ضمير التاريخ.

٤- والنسخ المطبوعة التي فقدت أصولها أو تعذر الوصول إليها يهدرها كثير من المحققين، على حين يعدها بعضهم أصولا ثانوية في التحقيق، وحجتهم في ذلك ما يؤدي بالمطبعة هو عين ما يؤدي بالقلم، ولا يعدو الطبع أن يكون انتساخا بصورة حديثة. وإني لأذهب إلى هذا الرأي مع تحفظ شديد، وهو أن يتحقق الاطمئنان إلى ناشر المطبوعة والثقة بنا، فما نشره أمثال المصححين القدماء كالعلامة نصر الهوريني، والشيخ قطة العدوى، وكذا أعلام المستشرقين الثقات


١ هو الأستاذ حسن السندوبي في "رسائل الجاحظ" ص١-٦٦.

<<  <   >  >>